تحليل

إذا ما كسب ترامب المعركة ضد المعسكر الأميركي الآخر المعادي لروسيا، وذلك بمعونة بومبيو وبولتون، فمن أبرز التداعيات المحتملة لذلك أن تقدم واشنطن عرضاً حقيقياً لموسكو يتمثل بالدخول في تحالف ثنائي لمحاربة "الإرهاب الإسلامي الراديكالي" ليس فقط في سوريا وإنما في ساحات أخرى ذات "الاهتمام المشترك" وعلى رأسها أفغانستان. على ضوء هذه المعطيات يتبين بأن بومبيو وبولتون قد يؤيدان مقاربة ترامب للتركيز على خطر "الإرهاب الإسلامي الراديكالي" بدلاً من إعطاء الأولوية للتصعيد ضد روسيا، خاصة وأن "إسرائيل" من جهتها تؤيد المعسكر المعادي للإسلام مقابل المعسكر المعادي بشكل أساس لروسيا، وذلك لأن "الإرهاب الإسلامي الراديكالي" وفق تعريف المعسكر المعادي للإسلام لا يشمل فقط داعش والقاعدة وحركة طالبان، بل أيضاً إيران وحزب الله وغيرهم.

برحيل جماعة "جيش الاسلام" عن مدينة دوما، تضمن سوريا العبور إلى برّ الأمان في استعادة أمن واستقرار العاصمة وحديقتها الغذائية في الغوطة. لكن المتغيرات التي أدّت إلى استعادة الغوطة، تدل أن مخاطر تهديد الدولة السورية على المديين القريب والمنظور مضت وانقضت.

إعلان الرئيس الأميركي عن انسحاب من سوريا "في القريب العاجل"، قد يكون مفاجئاً في توقيته وفي غمرة تصعيد التهديد ضدّ إيران. لكن ما يكشفه بأنه سيخلي المكان للآخرين، ربما يدلّ على أنه يعتمد على تركيا والمجموعات المسلّحة بما فيها جبهة النصرة بدلاً من وحدات الحماية الكردية. فما هي أسباب تقلّب ترامب، وهل يشير هذا التغيير المفاجىء إلى فشل محاولة واشنطن لتهديد إيران بالحرب؟

السعودية التي تتلقى صلية صاروخية باليستية تحاول التهرّب من عجزها عن إخماد جذوة مقاومة العدوان، باتهام إيران والشكوى إلى مجلس الأمن. لكن اعتماد السعودية على الحماية الأميركية والغربية من ارتكابها جرائم ضد الانسانية ضد اليمنيين، قد لا تنقذها من تداعيات أزمتها المستفحلة في اليمن.

دقت إسبوعية ذي نيويوركر، 23 أذار/ مارس، ناقوس الخطر من تعيين بولتون بأن "الصقور يشددون الحصار على البيت الأبيض.. جون بولتون هو الأشد وقاحة بين الديبلوماسيين الأميركيين خلال القرن الحادي والعشرين". مستطردة أن من مفارقات التعيين ترفيع وزير الدفاع جيمس ماتيس لمرتبة "صانع القرار الأشد براغماتية" بين أعضاء الفريق الرئاسي، متكهّنة بأن أيامه أيضاً قد تكون معدودة.

السعودية التي تظن أن تبذير الثروات على ما تتوهمه "لوبياتها" في الولايات المتحدة، تعزّز تأثيرها في القرار السياسي للعدوان على إيران والمقاومة. لكن إدارة ترامب وشركات السمسرة الأميركية ترى السعودية كبقرة حلوب تنتهي فائدتها بجفاف الضرع.

الفوز الكاسح في الانتخابات الرئاسية، يعزّز طموحات الرئيس الروسي للمضي في مشروع التوازن مع الدول الغربية وبناء علاقات متساوية. لكن هذا المشروع قد يكون من غير أفق قابل للتحقيق إذا لم تستند روسيا إلى قاعدة انطلاق عالمية في سوريا، تعبيراً عن وصولها إلى المياه الدافئة بين المحيطات. فلماذا؟

لهجة التبجح الصادرة باستمرار من الرئيس ترامب، في القضايا العالمية المتعددة، لا سيما في ملف كوريا الشمالية، ينبغي إدراجها ورؤيتها في سياق مبدأ كيسنجر – السياسة الواقعية والمستندة إلى السعي لتفتيت جبهة الخصوم والمنافسين على المسرح الدولي (الصين وروسيا)؛ ورديفة للتوجهات المناوئة لأولوية المسار الديبلوماسي الذي أثمر التوصل لإبرام الاتفاق النووي.

يظهر استبدال وزير الخارجية الأميركية السابق ريكس تيلرسون برجل ذي خلفية عسكرية أمنية كمايك بومبيو كتوجه نحو التشدد خاصة في ظل الأجواء المتوترة بين بلاده من جهة وكلٍّ من إيران وروسيا من جهة أخرى.

تتّجه معركة الغوطة الشرقية إلى الحسم النّهائي. فحمم الغضب الغربي في أروقة مجلس الأمن، أخفقت في وقف اندفاعة الجيش السوري وحلفائه. ورغم أن بلوغ خطّ النهاية في هذه المعركة الحساسة يحتاج بطبيعة الحال إلى حدٍّ أدنى من التوافقات الإقليمية والدولية، فقد أصبح من الواضح أن أي صيغة لحل معضلة الجيب الغوطاني لا تتم إلا على وقع استمرار المعارك وقعقعة السلاح.

تنشط وزارة الدفاع الأميركية في تقييم وضعية القوات النووية وتنشيط استراتيجية الردع الأميركية وسط إعلان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن إنجازات جديدة لبلاده في هذا الإطار.

على طول الخارطة السورية، شكلت النزاعات المسلحة في أكثر من منطقة معارك "كسر عضم" بين الدولة السورية والمسلحين بمختلف انتماءاتهم، من خلف الطرفين تتضح الأطراف المشاركة في الصراع أيضاً، روسيا وإيران وحزب الله من جهة، في مقابل تركيا والسعودية وقطر وأميركا من جهة أخرى. المتقاتلون على الأرض معروفة انتماءاتهم، والداعمون خلف الستار وأمامه أحياناً، أيضاً معروفون، إلا أن هذه القاعدة كُسرت في الملف الكردي.

التهديد الذي أطلقه الرئيس الروسي في الرد النووي التلقائي على صواريخ باليستية تهدد روسيا وحلفائها، يشير إلى أن بوتين سيتصدّى بسلاح حاسم لمنع أميركا من جرّه إلى سباق التسلّح. ومنعها كذلك من العدوان على حلفاء موسكو من الدول المناوئة لواشنطن كإيران وسوريا وكوريا الشمالية.

الحملة المغرضَة التي تشنّها مجموعات تحالف واشنطن تستخدم سلاحي التحريض الإعلامي المكثّف وتهمة السلاح الكيماوي، أملاً بالمراهنة على عودة الأزمة السورية إلى المربع الأول في مسار جنيف. لكن موسكو التي تستشعر هذه المخاطر ترمي بثقلها لإحباط مراهنة تحالف واشنطن في مهدها.

جاء إطلاقُ الجيش السوري لعملية الحسم في الغوطة الشرقية وسط التحولات الجذرية التي طرأت على الأزمة السورية مؤخراً، والتي أدت إلى زحزحتها عن خانة الصراع الإقليمي عبر الوكلاء، لتنقلها بسرعةٍ لافتةٍ إلى خانة الصراع الدولي بين القوى الكبرى.