تحليل

لم تقرع تركيا طبول الحرب باتجاه شرق الفرات كما تفعل اليوم. آلاف الجنود تم تحشيدهم مقابل رأس العين في الحسكة وتل أبيض في الرقة، مئات المدرعات والآليات الثقيلة نقلت خلال الاسابيع الثلاثة الماضية، حفر خناق وفتح كوة في الجدار الفاصل مقابل تل أبيض. وقصف متقطع من حين إلى آخر بحجة سقوط قذائف من داخل الحدود السورية على قرى وبلدات تركية.

في أبعاد مجريات الأحداث الساخنة بشأن الاتفاق النووي والتوتر في مياه الخليج، تحوّلات عميقة تكشف عن صعود إيران في المعادلات الإقليمية والدولية مقابل انحدار السيطرة الأميركية. لكن آفاق المواجهة بين الطرفين قد تسفر عن تغيير المنظومة الإقليمية والدولية على حساب أميركا وحلفائها.

اجتماع "خفر السواحل" بين الإمارات وإيران في طهران، يشير إلى بحث الإمارات عن ذريعة للتراجع عن رأس الحربة في معسكر الحرب والتحالف السعودي. لكن هذا التراجع يدلّ على فشل المراهنة على الحماية الأميركية لحلفائها الخليجيين في الحرب ضد إيران.

كان بارزاً في التطورات التي شهدتها الأشهر الأخيرة في منطقة الخليج غياب الدور الروسي الفاعل عن مسرح الأحداث، أو على الأقل عن التأثير فيه بصورةٍ واضحة. تفاوض بالضغوط بين الغرب وإيران وصل إلى حدّ الالتحام الميداني في أكثر من مناسبة، وإلى حافة المواجهة المباشرة أيضاً. لكن روسيا تدخلت في اليومين الماضيين في توقيتٍ دقيقٍ بإصدارها وثيقةً تطرح من خلالها مفهومها للأمن الخليجي، وفيها إشارات لافتة جداً قد تشكّلُ مدخلاً للحل فيما لو تجاوبت معها الأطراف المعنية، لا سيما الغرب وحلفائة المتحمسين لممارسة هوايتهم بانتهاك سيادة الدول.

صقور الإدارة الأميركية الذين يكتشفون بريطانيا لإشعال فتيل الحرب في الخليج، يصطدمون بأزمة العجز البريطاني عن حماية سفنها في مضيق هرمز. لكن المراهنة على بوريس جونسون الأكثر تشدداً من تيريزا ماي، قد تكشف استفحال العجز وعودة الصقور إلى المربع الأول أمام الحائط المسدود.

لم يكن الاعتداء على حافلة الجيش السوري على طريق " اليادودة " غربي درعا الاسبوع الماضي فريداً أو استثنائياً. الحادث الدموي يأتي في سياق تحرك متصاعد لعناصر التسويات ضد مؤسسات الدولة وأخطرها التعرض للمؤسسة العسكرية. ربما الحصيلة الدامية للإعتداء التي سجلت خمسة شهداء وعشرين جريحاً في استهداف الحافلة تلاها اغتيال ضابط برتية عقيد في قرية الشيخ سعد في ريف المحافظة الغربي.. هو ما قرع ناقوس الخطر من تداعيات الاوضاع الامنية في درعا بما تحمله المحافظة من رمزية منذ اندلاع الاحداث في آذار 2011.

إعلان الرئيس الأميركي بنفسه عن إسقاط طائرة إيرانية مسيّرة، هو في سياق جملة ادعاءات مصطنعَة تتناوب عليها إدارته لترويج مزاعم القدرة الأميركية على تركيع إيران. لكن الندّية الإيرانية في المواجهة مع أميركا، تفرض على الإدارة الأميركية اختلاق الإنتصارات الوهمية التي تكشف عن افتقادها زمام المبادرة.

الدول الأوروبية التي تتحرّك في إطلاق المواقف والبيانات أملاً في انقاذ الاتفاق النووي، تحاول الإيحاء بقدرتها على التأثير في الأحداث الدولية الساخنة. لكنها تستسلم أمام الشلل الذي تتعرّض له من الحليف الأميركي.

التحركات الاماراتية باتجاه تخفيف تواجدها العسكري في اليمن وباتجاه التقارب مع إيران، يدل على انهيار تحالفها مع السعودية في العدوان على اليمن وفي معسكر الحرب ضد إيران. لكن مساعي التخفّف من الخسائر قد لا تحميها من الغرق، إذا لم تقفز من القارب قبل فوات الآوان.

المحاولات الأوروبية لثني إيران عن زيادة التخصيب، تصطدم بحرص إيراني على العلاقات الندّية في عدم الالتزام من جانب واحد، لكن هذه الندّية قد تفرض على ترامب التراجع عن حافة الهاوية، تحاشياً لمغامرة حرب مدمّرة ربما تنقل أميركا من حال إلى حال.

سياسة موسكو نحو واشنطن هي منافستها في النفوذ العالمي لكن دون الاصطدام معها، وتقديم بعض التنازلات عند الضرورة. أوجزها نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف، في شهرية موسكو الرصينة الشؤون الدولية، مطلع العام الجاري بأن عمادها هو "الصبر الاستراتيجي.. في المدى المنظور".

التقارير الغربية المتلاحقة بشأن انسحاب الامارات من الحرب على اليمن، قد تكون متسرّعة حتى في الحديث عن إعادة تموضع. لكن الخلاف بين الامارات والسعودية في اليمن، ربما يعود إلى أن ابن زايد يرى أن التحالف السعودي خسر الحرب على اليمن وحان وقت توزيع الغنائم.

الرئيس الأميركي الذي يتهم إيران بأنها تلعب بالنار، يتخيّل لغاية في نفس يعقوب أن زيادة تخصيب اليورانيوم هدفها امتلاك سلاح نووي. لكن عبارة اللعب بالنار ربما يتقصّدها ترامب فاقعة، للإشارة الضمنية إلى أنه مصمّم على حماية "إسرائيل" من "محرقة" مزعومة تدغدغ دعاة الأساطير التلمودية.

التكهن بوقوع حرب بين إيران والولايات المتحدة، يؤرق صدقية كافة الأطراف الاميركية المنخرطة في هذا الشأن، لا سيما مراكز صنع القرار الحساسة لدى واشنطن، بدءاً بعدم المراهنة على صدقية الرئيس ترامب وسرعة انقلابه، وعلى مناخ المزايدات السياسية للحملة الانتخابية التي بدأت، فضلاً عن البعد الدولي الرافض لتصعيد توتر يرافقه خشية من ردود فعل الإدارة الأميركية الراهنة.

بينما تتحوّل معركة إدلب إلى صراع إرادات دولية ومصالح معقدة، تعيد القاعدة إنتاج إمارتها. فهل تبقى رهينة سوتشي الذي لا يبدو أبعد من إطار لتعزيز نفوذ أنقرة على الأرض والمجموعات المسلحة المسيطرة فيها؟.

المزيد