هل تتجاهل أنقرة اعتراض واشنطن في معركة شرق الفرات؟

لم تقرع تركيا طبول الحرب باتجاه شرق الفرات كما تفعل اليوم. آلاف الجنود تم تحشيدهم مقابل رأس العين في الحسكة وتل أبيض في الرقة، مئات المدرعات والآليات الثقيلة نقلت خلال الاسابيع الثلاثة الماضية، حفر خناق وفتح كوة في الجدار الفاصل مقابل تل أبيض. وقصف متقطع من حين إلى آخر بحجة سقوط قذائف من داخل الحدود السورية على قرى وبلدات تركية.

هل تتجاهل أنقرة اعتراض واشنطن في معركة شرق الفرات؟
هل تتجاهل أنقرة اعتراض واشنطن في معركة شرق الفرات؟

تحضيرات على الأرض تلي فشلاً معلناً لتفاوض أميركي ــ تركي قاده جيمس جيفري المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا مع خلوصي أكار وزير الدفاع التركي خصوصاً، وخطاب تعبوي عالي النبرة قاده الرئيس رجب طيب إردوغان بنفسه بإعلانه العزم على تفتيت "الممر الارهابي" شمالي سوريا، بغضّ النظر عن نتائج المفاوضات مع الجانب الأميركي بهذا الشأن ثم كشفه بإبلاغ روسيا والولايات المتحدة عن عزم تركيا القيام بعملية عسكرية شرق الفرات كما دخلت إلى عفرين وجرابلس والباب.

هذه المؤشرات سبقها إعلان مجلس الأمن القومي الذي ترأسه إردوغان التصميم على بذل كل جهد لإقامة ممر سلام في سوريا. وأضاف في بيان "سيتم تطهير المنطقة من العناصر الإرهابية كافة بسبب زيادة التهديدات ضد تركيا جراء فراغ السلطة على طول الحدود مع سوريا".

تحركات على الأرض وخطاب للداخل التركي وللقوى الفاعلة في الملف السوري: الولايات المتحدة وروسيا الاتحادية خصوصا يؤكد اقتراب العدوان على الأراضي السورية وترجيحه عقب عيد الأضحى بصرف النظر عن رد واشنطن الضبابي على تصريحات أردوغان واقتصاره على "دعوة تركيا مجددا للعمل لوضع نهج مشترك" وإجراء وفد عسكري أميركي مفاوضات تتركز على مسافة دخول الجيش التركي ضمن الأراضي السورية.

تخدم المنطقة الآمنة التركية ضمن الأراضي السورية الرئيس أردوغان وحزبه على أكثر من مستوى. ينقل تراجعه الشعبي الذي كشفته الانتخابات المحلية الأخيرة في نيسان/ أبريل الماضي وخسرانه مدن كبيرة أبرزها اسطنبول إلى الخارج.

يحاول إردوغان استعادة شعبيته عبر اللعب على الخطر الكردي على أمن بلاده، وهذا عنوان عريض طالما أرّق السياسيين الأتراك على مدى عقود ولم يكن مقتصراً على حزب "العدالة والتنمية".

اجتياز الحدود السورية لإبعاد ذلك الخطر، كما تراه تركيا، عامل مهم في استعادة ذلك البريق المفقود، خطوة تدعمها التحركات المتزايدة بالتضييق على اللاجئين السوريين وترحيل الآلاف منهم، إلى عفرين وإدلب، ولاحقاً إلى المنطقة الآمنة التي من المفترض أن تستوعب مئات الآلاف من اللاجئين السوريين كما تخطط الحكومة التركية. فهو عامل يخفف ضغطاً داخلياً على إردوغان ويستخدمه رأس حربة له في أي ترتيبات أو تسويات مقبلة للشمال السوري بأسره من المالكية في الحسكة إلى ريف إدلب الغربي..

لكنها أهداف ليست بهذه الصورة الوردية التي تروّجها الماكينة الإعلامية التركية، ثمّة عوائق عدة أمامها حتى اللحظة. لا يزال الموقف الأميركي لا يلبي مطامع الرئيس التركي. فعلى الرغم من أن واشنطن توافق من حيث المبدأ على الدخول التركي إلى الأراضي السورية لكنها ترفض في إطار مصالحها حالياً مع القوى الكردية وتوافقاتها مع قوى رئيسية في التحالف تدعم الكرد أبرزها فرنسا، المطلب التركي بالدخول ما بين 30 إلى 40 كم داخل الحدود السورية وتشترط عمقاً يصل إلى 8 كيلومترات أو أكثر بقليل وبعيداً عن مراكز المدن الكبرى..

عامل آخر يتمثّل بموقف موسكو الداعي لانسحاب كل القوى التي دخلت الاراضي السورية من دون موفقتها وعودة كل تلك المناطق الى سيطرة الدولة. لكن موقفاً واضحاً وصلباً لم يصدر حتى اللحظة من التحركات التركية الأخيرة رغم التواصل الدائم بين الدولتين ضمن عملية آستانة، أو في الاتصالات الثنائية بما يخص الشان السوري. ولا يزال جرح عفرين التي دخلها الاتراك والمسلحون المدعومون منهم دون إعتراض على الأقل من روسيا ماثل حتى اليوم.

الدلائل تشير إلى أن تركيا بصدد تنفيذ عدوانها على الاراضي السورية، دمشق لمست ذلك الخطر وأعلنت رفضها لأي شكل من أشكال التفاهمات التركية ــ الاميركية التي تشكل اعتداءً صارخاً على سيادة ووحدة سوريا أرضًا وشعبًا.

في المقابل توحي تحركات قوات سوريا الديمقراطية "قسد" على الأرض وكأن العدوان التركي حاصل لا محالة، فهي تقوم بتدشيم وحفر أنفاق ونقل تعزيزات وتوسيع التجنيد الاجباري وهي خطوات تلت تصريحات صحافية وبيانات شبه يومية لمجلس سوريا الديمقراطية "مسد " عن خطورة العدوان والاستناد إلى موقف أميركي يدعم "الادارة الذاتية" حتى اللحظة.

لا خطوة واقعية من "مسد" باتجاه دمشق درءاً للعدوان المتوقع، باستثناء دعوات إعلامية كان آخرها ما طرحه آزاد برازي عضو المجلس الرئاسي في "مسد" الحكومة السورية للحوار مع "الادارة الذاتية" لمواجهة خطر الاحتلال التركي، لكنها دعوة تتجاهل اشتراطات تعجيزية للقوى الكردية المتضمنة دعوة الحكومة السورية للاعتراف بـ "الادارات الذاتية وبـ "قسد" تضاف إلى استفزازات كبيرة في ملفات النفط والمحاصيل الزراعية والتماهي مع "المشروع الأميركي" كما تقول دمشق.

تباين تزداد صعوبة معالجته قبل أيام من التلويح التركي بالعدوان وفي ظل ربط تيارات كردية فاعلة وقوية مصير المنطقة الشرقية بالدور الأميركي مع أن الأميركيين يعلنون على الملأ أنهم يوافقون على المنطقة الأمنة من حيث المبدأ لكن يبقى الخلاف على مساحة تلك المنطقة.