التصعيد الأميركي وخيارات روسيا

قد يطال هذا التهديد الروسي ما هو بمتناول واشنطن لثنيها عن تزويد الجماعات المسلحة بأسلحة نوعية أكثر ضراوة من سلاحها الحالي، ولا سيما الصواريخ المضادة للطائرات في محاولة لمنع الطيران السوري من التحليق في المنطقة التي تأمل واشنطن بحظرها عن الطيران. لكن موسكو يبدو أنها تهدّد بأكثر من ذلك لمنع واشنطن من حماية النصرة في مراهناتها على تغيير المعادلات الميدانية ومن ثَمَ السياسية.

  • بدأت المدمرتان "سيربوخوف" و"زيلوني دول" (الصورة) بعبور البوسفور نحو سوريا
التلويح الأميركي بما سماه البيت الأبيض "كل الخيارات"، قد يتجاوز التصعيد السياسي والدبلوماسي مع روسيا. فالصحافة الأميركية الكبرى تنذر بقرع طبول الحرب، فوق سقف التهديد بالتدخل الأميركي المباشر الذي برز في مناظرة مرشحيْ الحزبين الجمهوري والديمقراطي تيم كاين ومايك بنس. وفي هذا السياق يسترسل المتحدث باسم الخارجية الأميركية مارك تونر، بما وصفه بعض الوضوح في الخيارات المتاحة، "بما فيها الخيارات العسكرية"، بحسب قوله.

ما نقلته صحيفة "واشنطن بوست" عن مسؤولين عسكريين وأمنيين أميركيين في اجتماع البيت الأبيض، يذهب به البعض إلى الظن بعودة واشنطن لما كان يسمى "الخطة ب" التي يمكن أن تنفذها 800 طائرة من الحلف الأطلسي في ضرب مفاصل الجيش والدولة السورية. لكن بمنأى عن الطموحات غير الواقعية بسبب الثقل الروسي، يدافع صقور المؤسستين الأمنية والعسكرية الأميركية عن تدخل عسكري محدود "للضغط على الأسد" كما تنقل الصحيفة، سواء في قصف مدرجات الطائرات بصواريخ "كروز" لتعطيل الطيران السوري أم في عمليات سرّية لا يتم الإعلان عنها أو عن طريق الخطأ.

تراجع واشنطن عن التفاهم مع موسكو على فصل النصرة عن الجماعات الأخرى، يتضمّن محاولة تصعيد أميركي أملاً بالضغط أو تغيير المعادلات الميدانية. وقد يكون وقف التعاون بمتناول اليد الأميركية وأحد عوامل الضغط. لكن المراهنة على تدخل مباشر في ضرب الجيش السوري ومنشآت الدولة، ربما تجاوزتها المتغيرات والمعادلات الميدانية في سوريا. ولعل إرسال موسكو صواريخ مضادة للطائرات من نوع "أس 300" إلى سوريا، يحمل في طياته تهديداً لوشنطن بحماية الجيش والمنشآت السورية التي صادق مجلس الدوما على بقاء القوات الروسية في سوريا لحمايتها. وأن الأمر لا يقتصر على حماية قاعدة حميميم التي تحميها صواريخ "أس 400" الأكثر تطوراً.

وقد يطال هذا التهديد الروسي ما هو بمتناول واشنطن لثنيها عن تزويد الجماعات المسلحة بأسلحة نوعية أكثر ضراوة من سلاحها الحالي، ولا سيما الصواريخ المضادة للطائرات في محاولة لمنع الطيران السوري من التحليق في المنطقة التي تأمل واشنطن بحظرها عن الطيران. لكن موسكو يبدو أنها تهدّد بأكثر من ذلك لمنع واشنطن من حماية النصرة في مراهناتها على تغيير المعادلات الميدانية ومن ثَمَ السياسية. وقد يشي الإصرار الروسي على مواجهة التصعيد الأميركي، بأن روسيا قد ترد بالمثل في أوكرانيا والمحيط الحيوي الروسي أو في تزويد اليمنيين بسلاح مضاد للطيران مقابل الصواريخ الأميركية في سوريا. 

ففي صدد إعلان روسيا عن استعدادها لمواجهة التصعيد الأميركي، لم تقبل موسكو بتنازلات بشأن ما سمته وزارة الخارجية الأميركية "صعوبة فصل النصرة" ولم تخفف من طلعاتها الجوية تحت ضغط الحملة الغربية لوقف القتال تمهيداً لتنظيم صفوف النصرة والجماعات الأخرى في اتجاه محاولة تغيير المعادلات في حلب. وفي السياق نفسه لمواجهة التصعيد يهدّد النائب الأول لرئيس لجنة الدفاع في مجلس الاتحاد الروسي بإمكانية زيادة الدعم الناري للقوات المسلّحة السورية، بينما تعبر المدمرتان الصاروخيتان "سيربوخوف" و"زيلوني دول" مضيق البوسفور نحو سوريا "على أساس دائم" وتلتحقان بسفينة الإنزال الروسية "غيورغي" التي عبرت المضيق في 24 الشهر الماضي.

في كلمته أمام مجلس الدوما الجديد، أكّد الرئيس الروسي على "حق روسيا التاريخي في أن تكون قوية"، ما يشير إلى أن موسكو عازمة على مواجهة التصعيد بتصعيد مماثل. لكنها في مجرى قوتها كدولة كبرى يمكنها أن تتلاقى مع واشنطن على حل سياسي في سوريا أولويته مواجهة النصرة إلى جانب "داعش". فصحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية تسير في خط معاكس لأخواتها في "واشنطن بوست" و"وول ستريت جورنال" في تأكيدها على أن التخبط الأميركي هو فرصة كبيرة لبوتين، الذي توعّد من الكرملين الأسبوع الماضي أن زمن أميركا بالضغط والعقوبات قد ولّى.