أصوات القطاع "المسيحي" في الانتخابات الأميركية: الغلاف الديني للدولة المدنية !

ليس عسيراً على المرء تلمس أبعاد خطاب ترامب العنصري، انطلاقاً من شعاره المركزي "لنعيد العظمة لأميركا مرة أخرى". كما ينبغي النظر إلى محور تحركاته وتمركزها في الولايات والتجمعات السكانية التي تشهد توترات اجتماعية، أريزونا والاباما بداية، وتحميله "اللاجئين غير الشرعيين" مسؤولية تدهور السلم الاجتماعي وارتفاع معدلات الجريمة فضلاً عن ارتباطاته واحجامه عن انهاء علاقاته مع تنظيمات البيض العنصرية – كو كلاكس كلان.

خطاب دونالد ترامب الأشد عنصرية
خطاب دونالد ترامب الأشد عنصرية



المرشح الأمثل:

جهود المتنفذين في الكنائس المسيحية الأميركية للتعامل معها ككتلة موحدة تتنافى مع القوانين الاجتماعية التي تؤثر وتتأثر بالتنوعات الديموغرافية والاقتصادية والدوافع السياسية لتوجهات قطاعات المتدينيين من "المسيحيين المتجددين".

انفرجت أسارير التيارات الأشد عنصرية في المجتمع الأميركي لدخول دونالد ترامب حلبة السباق الرئاسي، لما يمثله من تطابق "فكري" مع معتقداتهم السياسية والاجتماعية، وبشكل خاص لقناعة غالبيتهم بأن "الولايات المتحدة كانت عظيمة واستثنائية قبل تمييع نسيجها الغالب من العرق الأبيض بدخول أقليات وملونين ومطالبتهم بمساواة الحقوق".

ليس عسيراً على المرء تلمس أبعاد خطاب ترامب العنصري، انطلاقاً من شعاره المركزي "لنعيد العظمة لأميركا مرة أخرى". كما ينبغي النظر إلى محور تحركاته وتمركزها في الولايات والتجمعات السكانية التي تشهد توترات اجتماعية، أريزونا والاباما بداية، وتحميله "اللاجئين غير الشرعيين" مسؤولية تدهور السلم الاجتماعي وارتفاع معدلات الجريمة، فضلاً عن ارتباطاته وإحجامه عن انهاء علاقاته مع تنظيمات البيض العنصرية – كو كلاكس كلان.

التفاف التيارات المتدينة، من المسيحيين، وراء ترامب شكل استثناء للقاعدة العامة التي كانت تعول على دعم المرشح المتدين مايك هاكابي، بداية، ومن ثم تيد كروز. بيد أن سردية ترامب المجردة من الكياسة الديبلوماسية لاقت رواجاً عالياً واقبالاً واسعاً في أوساط تلك الشريحة، المسيحيين الإنجيليين، التي لا زالت تؤيده بنسبة ثابتة، نحو ثلث الجمهور الانتخابي.

تتباهى الدولة الأميركية بنموذج ديموقراطيتها المستند على قاعدة "فصل الدين عن الدولة"، بيد أن الخطاب والالتزام الديني هو الأشد تأثيراً ونفوذاً، كما تجسده تركيبة المحكمة العليا منذ زمن بعيد، إذ غالبية قضاتها هم من أشد المحافظين والداعمين للتيارات الدينية – المسيحية البيضاء بالطبع.

في جانب السلطة التشريعية، لا يغيب الخطاب الديني عن المشهد إذ يعمد الممثلون القادمون من مجتمعات محافظة، خاصة في جنوبي الولايات المتحدة، إلى تذكير الآخرين بأن "أميركا هي بلد مسيحي، وينبغي المحافظة على هويته تلك".

حجم الجمهور الانتخابي "المسيحي" تراجع بعض الشيء في السنوات الأخيرة مرده الهزات الاجتماعية والاقتصادية التي لا زالت تعصف بالبلاد، لكنه لا يزال جسماً باستطاعته ممارسة نفوذ ملموس.

اشار استطلاع للرأي أجراه معهد بيو، عام 2014، إلى ميل أغلبية الناخبين للولاء الديني بشكل أساسي، وافصح نحو 73% عن "مسيحيتهم"، خلال الانتخابات النصفية؛ منهم نحو 36% يدينون بالولاء للمسيحية الإنجيلية، مقابل 37% هويتهم مسيحية لكن لا يؤيدون التيار الإنجيلي.

حصة الحزب الجمهوري من المتدينين هي الأعلى: 85% من ناخبي الحزب يعتبرون انفسهم مسيحيين؛ 45% منهم ينتمون للمسيحية الانجيلية. ويشكل العنصر الابيض نحو 87% من مجموع المسيحيين الجمهوريين.اللافت ايضا ان 64% من مؤيدي الحزب الديموقراطي تتقدم هويتهم المسيحية على الهوية الوطنية، و"الانجيليين" منهم ليسوا من البيض.

أتباع الكنيسة الكاثوليكية من أميركا اللاتينية يصطفون بنسبة كبيرة إلى جانب الحزب الديموقراطي، بينما تميل كتلة "الكاثوليك البيض" لتأييد الحزب الجمهوري. 


الهوية الإنجيلية وأصواتها

استطلاع يظهر تنامي التأييد لترامب بين صفوف المسيحيين الانجيليين بشكل عام والبيض منهم بشكل خاص
استطلاع يظهر تنامي التأييد لترامب بين صفوف المسيحيين الانجيليين بشكل عام والبيض منهم بشكل خاص

تجمع المؤسسات الأميركية على تعريف ماهية المسيحية الإنجيلية بأن عناصرها "تتردد على الكنائس أسبوعياً بانتظام"، كما أوضح معهد بيو سالف الذكر، ويعولون على دور الدين في حياتهم اليومية،يمارسون الصلاة يومياً ويتبعون التفسير الحرفي للكتاب المقدس وبأنه "كلام الله". في سياق تقسيم المتدينيين على المدارس (المذاهب) المسيحية المتعددة، تعتبر الكنيسة البروتوستانتية الأقرب للمسيحية الانجيلية من الكنيسة الكاثوليكية. 
تجدر الإشارة إلى أن القسم الأعظم من الناخبين الأميركيين، ذوو الهوية المسيحية، لا يذهبون لصندوق الاقتراع ككتلة انتخابية موحدة، كما ورد سابقاً. بيد أن جوهر المسألة، فيما يتعلق بالصراع العربي الصهيوني، يقتضي الغوص في حصر التفسيرات اللاهوتية المعتمدة – السردية اليهودية وكتاب العهد الجديد -  لتشكيل وعي الرعية الدينية لحقيقة "اسرائيل"، وهي عينها التي أسست لدعم "البيض" نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا لعهود طويلة. يراهن قادة الحزب الجمهوري وحملة المرشح ترامب على تباينات قد تؤدي لانشقاقات داخل "الصف المسيحي" تؤدي لعزوف المزيد منهم عن دعم مرشحة الحزب الديموقراطي. يشار إلى أن نحو 80% من "المسيحيين الانجيليين" صوتوا لصالح المرشح الجمهوري السابق ميت رومني، والباقي 20% أيدوا المرشح أوباما، عام 2012. نسبة التأييد لرومني حافظت على مستوياتها السابقة في دعم جورج بوش الابن عام 2004.بيد أن الانقسام داخل صفوف المسيحيين الآخرين كان أشد وضوحاً وتوزع بنسبة متساوية بين المسيحيين البيض. المنتمون للكنيسة البروتوستانتية اصطفوا بنسبة 54% لجانب المرشح الجمهوري ميت رومني، مقابل 44% أيدوا المرشح أوباما، وهي نسبة شديد التطابق مع خارطة توزيع الأصوات في دورة الانتخابات عام 2008 التي أسفرت عن تأييد 55% من البيض البروتوستانت للمرشح الجمهوري جون ماكين، مقابل 44% للمرشح أوباما.أتباع الكنيسة الكاثوليكية أيضاً انقسموا بنسب متقاربة في دورتي الانتخابات السابقتين: 59% صوتوا للمرشح رومني (2012)، مقابل 52% للمرشح الجمهوري ماكين عام 2008. أما كاثوليك أميركا اللاتينية فقد صوتوا بنسبة الأغلبية المطلقة للمرشح أوباما، 2012.تفادى ترامب الافصاح الصريح عن انتمائه الديني، بخلاف أقرانه الآخرين تيد كروز ومايك هاكابي، وبالرغم من ذلك فقد اصطفت أغلبية المسيحيين الانجيليين خلفه، وهذا لا يعني ان ترامب يشكل "المرشح الأمثل" للمتدينيين، وفق ما أفاد مساعد مدير معهد بيو للابحاث، غريغ سميث. وأوضح أن نحو 45% من اولئك المتدينيين سيصوتون لترامب نكاية بالمرشحة الديموقراطية هيلاري كلينتون، والحافز الاساس لمناهضة ترشيحها هو آلية تفكير القطاع المتدين في رؤيته للدورة الانتخابية الراهنة. وأضاف المعهد أن نتائج استطلاع أجراه في شهر حزيران من العام الجاري أظهرت تنامي التأييد لترامب بين صفوف المسيحيين الانجيليين بشكل عام والبيض منهم بشكل خاص، وبنسبة أعلى مما حصل عليها ميت رومني عام 2012، خاصة لتوجهاته المؤيدة لقضاياهم في الحق بالتسلح ومكافحة الارهاب ومشروعه الاقتصادي، رغم ضبابية وهلامية تفاصيله. وعليه، من المتوقع أن يصوت لترامب نسبة 78% من تلك الفئة، مقارنة بما ناله ميت رومني من تأييد نسبة 73%، مما يدل على دور المعتقد الديني في التوجهات الانتخابية دون اهمال العوامل الأخرى التي تسهم في تحديد رؤيتهم للقضايا العالمية. ثبات نسبة تأييد شريحة المتدينيين البيض للمرشح ترامب تقودنا إلى إدراك هواجس تلك الفئة واعتقاد نسبة النصف تقريباً بأن عقبات عدة تعترض مسارهم في ممارسة شعائرهم الدينية في المجتمع الأميركي، مقارنة من نسبة 18% من الكاثوليك الذين يشاطرونهم القلق. يشار إلى أن ترامب ادرك مبكراً أهمية التودد لشريحة المتدينيين وإعرابه عن عزمه الغاء التشريع المتعلق بتقييد رجال الدين من ممارسة السياسة، والذي يعرف بتعديل جونسون في القانون الأميركي. المادة تبناها الرئيس الأسبق ليندون جونسون في عقد الخمسينيات من القرن الماضي، ابان خدمته في مجلس الشيوخ لحرمان قطاع قساوسة ولاية تكساس من تنظيم معارضة شعبية ضده.


المسيحيين الانجيليين و"اسرائيل"

رصد التوجهات الدينية فيما يخص الصراع العربي – الصهيوني مسألة بالغة الأهمية، وربما تستدعي العودة لها في تقرير قادم، فالمساحة المحدودة المخصصة للموضوع بين أيدينا تتحكم بالحيز المتاح، ورصد بعض تجلياتها. 
الدعاية الصهيونية المكثفة في العقود الماضية داخل صفوف "المسيحيين الانجيليين" تحديداً أدت لارتفاع معدل التأييد لسياسات "اسرائيل،" بنسبة تعادل أو تتفوق على مثيلتها بين الناخبين اليهود – وقد أوضحنا ظاهرة عزوف اليهود الأميركيين عن التأييد الأعمى لتوجهات القادة في تحليل منفصل. للدلالة على تراجع دعم اليهود، أوردت وكالة خدمة الأخبار اليهودية في تقرير لها أن "نواة الناخبين الانجيليين يتعبرون تأييد اسرائيل أحد العوامل على رأس قائمة الاهتمامات، وربما في مرتبة الخمس الأولى، عند تأييد مرشح رئاسي بعينه في الانتخابات التمهيدية."اللوبي الاسرائيلي" المؤثر، ايباك، يؤكد في أدبياته أن "تجمع المسيحيين الانجيليين يلعب دوراً حيوياً في بلورة العلاقات الأميركية الإسرائيلية." يضاعف اللوبي مساعيه لطلب ود قادة تلك المجموعة من القساوسة وتجنيدهم لحشد الدعم الشعبي "لاسرائيل،" وأصدر سلسلة أدبيات موجهة تحت عنوان "الكنيسة الخاصة بك وايباك"، التي ترصد مديات الدعم والتأييد لبرامج اللوبي وتوضيح مبررات الدعم بأنها "تعود إلى التقيد بالتعاليم الانجيلية ونسبة التردد على نشاطات الكنيسة". جدير بالذكر أن نسبة تأييد "اسرائيل" داخل المجتمع الأميركي تخضع لتقلبات السياسات المتبعة والتطورات الإقليمية. في أوجة التحشيد الاعلامي ضد الملف النووي الايراني، أعرب نحو 64% من البيض الإنجيليين عن تأييدهم "لاسرائيل"، مقارنة مع تأييد نسبة 39% بين صفوف بقية المجتمع. تتبع الكنائس الإنجيلية توجهات مؤسسة سياسية بلباس أكاديمي لاهوتي، تدعى لايف واي ريسيرتش، تزعم أن مهمتها تكمن في "تنوير الكنيسة للأحداث المعاصرة بنظرة مقاربة". أوضحت "المؤسسة" في نشرتها الصادرة في آذار / مارس 2013 أن نحو "72% من البيض الانجيليين يؤيدون اسرائيل في نزاعها مع الفلسطينيين، مقارنة بنسبة تأييد 49% لها بين مجموع الأميركيين". كما أوضحت رفض 50% تقريباً من الفصيلة عينها لقيام دولة فلسطينية مستقلة، مقارنة مع رفض 33% بين صفوف اليهود الأميركيين.على الطرف المقابل، تتنامى مشاعر عدم الارتياح من السياسات "الاسرائيلية" بين قطاعات واسعة من الشعب الاميركي، وبعض كنائسه المؤثرة. إذ صوت المجلس الإداري للكنيسة اللوثرية الإنجيلية الأميركية لمقاطعة "اسرائيل"، الأسبوع الماضي، وحثّ أتباعه على ممارسة الضغط على ممثليهم في الكونغرس ولدى الادارة الاميركية واشتراط تقيد "اسرائيل بقواعد حقوق الانسان، ووقف أعمال توسيع رقعة المستعمرات الحالية" كمقدمة لتلقي المساعدات الأميركية المالية والعسكرية والاقتصادية. يعد موقف الكنيسة متقدماً في سياق السياسة الاأميركية وخضوعها لاملاءات مجموعات الضغط واللوبي "الاسرائيلي"، وتحفيز مواقف مماثلة من الكنائس الأخرى، وجاء ثمرة سلسلة من الجهود والمواقف السابقة لممارسة الضغوط وادخال توازن على مسار السياسة الخارجية لأميركا، وتأييدها انشاء دولة فلسطينية. يذكر أن للكنيسة اللوثرية شبكة كنائس عاملة تتبعها وتشرف عليها في فلسطين، كما تلعب دوراً فاعلاً في تقديم الدعم للاجئين السوريين. مهّد المرشح ترامب أرضية تأييده داخل صفوف المسيحيين وأخضع خطابه السياسي مؤخراً للهجة متصالحة مع التيار الديني، دشنها بخاتمة خطاباته "يبارككم الله".