هل تؤدي الأزمة بين تركيا واليونان إلى حرب جديدة؟

نظراً لتصعيد تركيا الثابت لترجمة سيادتها السياسية فمن المرجح أن تقدم على جملة خطوات تؤدي لنزاع أوسع مع اليونان عبر قبرص، وربما تقدم أنقرة على اجتياح واحتلال بعض الجزر اليونانية القريبة من أراضيها. وتجربتها الوجيزة في القتال داخل سوريا والعراق أسهمت في تعزيز ثقة قادتها السياسيين لاتخاذ قرار بهذا الصدد، فضلاً عن تراكم خبراتها في حربها ضد مجموعات حزب العمال الكردستاني داخل الأراضي التركية.

هل تؤدي الأزمة بين تركيا واليونان إلى حرب جديدة؟

شكل التدخل العسكري التركي في قبرص، 1974، نقطة تحول استراتيجية في علاقة البلدين لا زالت أصداءها ماثلة للعيان. اليونان من جانبها سحبت التزاماتها السابقة مع جارتها عقب احتلال وتقسيم الجزيرة. وجاءت محاولة الانقلاب في تركيا، 2016، لتعزز حالة الانقسام والتوتر بين البلدين خاصة لاستعداد اليونان ايواء 8 عسكريين أتراك فروا إليها عقب المحاولة الفاشلة ورفضها تسليمهم لأنقرة؛ واعتقال تركيا جنديين يونانيين ضلّا طريقهما بتهمة التجسس.

وساءت الأوضاع في الآونة الأخيرة عندما قرر سلاح الجو التركي "مضايقة" مروحية عسكرية يونانية كانت تقل رئيس وزرائها، أليكسيس تسيبراس، يرافقه رئيس هيئة أركان الدفاع الوطني، متجهة إلى جزيرة رودس في بحر إيجة، والقريبة من الشواطىء التركية. ورفض طاقم المروحية "تعليمات" المقاتلات التركية واستدعى مقاتلات يونانية على عجل مما اضطر المقاتلات التركية العدول عن الملاحقة.

سبق تلك الحادثة مقتل قائد طائرة ميراج يونانية بعد تحطمها بالقرب من جزيرة سكايروس وهي في طريق عودتها بعد اعتراضها لطائرتين تركيتين من طراز إف-16 اخترقتا المجال الجوي اليوناني.

واكب تلك العمليات تصريحات نارية من مسؤولي الطرفين: الرئيس التركي طالب بتعديل اتفاقية لوزان (1923) لضمان سيادة الجمهورية التركية؛ أتبعه تصريحات لرئيس الوزراء اليوناني قبل بضع ساعات من حادث المروحية المذكور قائلا إن بلاده تنوي الدفاع عن مبادئها "بأي طريقة تختارها .. ولن تفرط بأي حبة من أراضيها." واضاف رئيس الوزراء تسيبراس  مندداً بتركيا أن "جيراننا لا يتصرفون دائماً بطريقة تليق بحسن الجوار .." مستدركا أنه يرسل بذلك رسالة تعاون وتعايش سلمي لأنقرة.

اتخذت اليونان جملة إجراءات لتعزيز حضورها العسكري بإعلان نائب وزير دفاعها أن بلاده في صدد الحصول على فرقاطتين فرنسيتين لمهام حراسة السواحل؛ تلاه وزير الدفاع ببضعة أيام لينفي ما صرح به نائبه، موضحاً أن رئيس الوزراء تسيبراس تحدث مع الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون مرحباً بالمساعدة في بناء فرقاطات في اليونان.

العقبة الرئيسة أمام اليونان تتمثل بتوفير الأموال في ظل أزمتها المالية الخانقة، وتراكم ديونها للاتحاد الاوروبي، وبالأخص ألمانيا. واضطرت أثينا لإرجاء شراء 20 مقاتلة حديثة أميركية من طراز أف- 35 كانت تنوي التعاقد بشأنها. بينما يوفر مخزون الطاقة في بحر إيجة فرصة مثلى لليونان لزيادة دخلها وعلى نحو عاجل، مما قد يسرع مرة أخرى في تبنيها خططاً لتحديث قواتها العسكرية.

الفصل المقبل في ثروات الطاقة مقبل على اصطفافات جديدة في الإقليم، لا سيما وأن المخزون الأكبر يقبع في أعماق مياه جزيرة قبرص، مما سيقلص اعتماد اوروبا وتركيا على الغاز الروسي. التقسيم القائم في قبرص سيضيف أبعاد الطاقة إلى الواقع السياسي المجزأ أيضاً، وينذر بتجدد القتال بين تركيا واليونان، على الرغم من تصريحات قبرصية تدعو للهدوء والسكينة. وجاء على لسان المتحدث الرسمي باسم الحكومة القبرصية أن بلاده "لن تقبل التدخل التركي بشؤونها واستحداث الأزمات عبر تبنيها لمفهوم حقها السيادي في استغلال ثرواتنا الطبيعية."

تركيا تخطو بثبات نحو الإعداد لحرب مقبلة، فقد أعلنت مؤخراً عن نيتها لاستعادة مخزونها من الذهب في البنك المركزي (الاحتياط الفيدرالي) الأميركي وتسييله في سوق اسطنبول لتبادل الأسهم. وأقدمت تركيا على خطوة مماثلة قبل بضع سنوات باستعادتها 220 طناً من الذهب من البنوك الأجنبية، من ضمنها نحو 29 طن من البنوك الأميركية.

مجمل مخزون تركيا من الذهب، وفق إحصائيات صندوق النقد الدولي، يبلغ 591 طناً قيمته الإجمالية أكثر من 23 مليار دولار؛ وبهذا تحتل تركيا المرتبة الحادية عشرة بين الدول العالمية لحجم مخزونها من الذهب.

يشار في هذا الصدد إلى تجدد اعتماد التبادلات التجارية الدولية بالذهب عوضا عن الدولار لتخطي عقبات النظام المصرفي العالمي.


سيناريوهات الصدام المقبل

نظراً لتصعيد تركيا الثابت لترجمة سيادتها السياسية فمن المرجح أن تقدم على جملة خطوات تؤدي لنزاع أوسع مع اليونان عبر قبرص، وربما تقدم أنقرة على اجتياح واحتلال بعض الجزر اليونانية القريبة من أراضيها.

تجربتها الوجيزة في القتال داخل سوريا والعراق أسهمت في تعزيز ثقة قادتها السياسيين لاتخاذ قرار بهذا الصدد، فضلاً عن تراكم خبراتها في حربها ضد مجموعات حزب العمال الكردستاني داخل الأراضي التركية.

بيد أن هذا الرهان غير مضمون النتائج نظراً للتحركات العسكرية داخل قواتها المسلحة ودخول عدد كبير من قياداتها السجن في فترات متلاحقة، على خلفية الاتهام بالاشتراك في عملية الانقلاب الفاشلة، يضاف عدد آخر من القادة العسكريين الذين فروا وطلبوا اللجوء في اليونان. للدلالة، تشير تقديرات حلف الناتو أن نحو 25% من مجموع طياري سلاح الجو يرزحون في السجون، وهي نسبة لا يجوز الاستهانة بها.

عند رسوخ تركيا على قرار احتلال جزر يونانية فالمهمة الأصعب أمامها الحفاظ على تلك الجزر أمام تصميم يوناني لا يجوز الاستخفاف به، فضلاً عما تنبؤ به خطواتها في التدخل العسكري في سوريا والعراق. العامل الكردي المسلح المناهض لأنقرة أيضاً سيضاعف من حضوره واشتباكه مع القوات التركية وفتح جبهة اضافية أو أكثر.

كذلك معادلة التوازن داخل حلف الناتو ستفرض على تركيا عاملاً إضافياً ينبغي أخذه بالحسبان، في ظل تردي علاقاتها مع معظم دول الحلف راهناً والتي قد تفعّل اتفاقية الحلف القاضية بنجدة دولة عضو تتعرض للعدوان. فرنسا مثلاً أعربت عن اصطفافها مسبقاً إلى جانب اليونان؛ ويمكننا القول أن بريطانيا والولايات المتحدة تسيران بموازاة الموقف الفرنسي، بينما أقدمت ألمانيا على فرض حظر على توريد السلاح لتركيا.

عند هذه النقطة الفاصلة، نستعيد بعضاً من أدبيات المحافظين الجدد وبعض الليبراليين الذين يتطلعون إلى تقسيم الأراضي التركية، ليس بالضرورة في المدى المنظور بل عبر تهيئة الظروف لاستنزاف تركيا وحرمانها من تبادل المعلومات الاستخبارية مقابل مشاركة اليونان بها.

من البديهي أن قرار شن الحرب من أسهل الخيارات، سواء لتركيا أو دول معادية أخرى، بيد أن الفيصل يكمن في تقليص الخسائر إلى الحد الأدنى وتوسيع مروحة الحلفاء وحشد جمهور الداخل – وهو ما يعتقد أن القيادة التركية الراهنة ليست مؤهلة بالمغامرة بها جميعاً بل تعتبر انتحاراً ذاتياً أن قررت المضي به.

في خانة الحلفاء من العسير إدراج اي دولة لجانب تركيا في ظل خلافاتها التاريخية مع كافة جيرانها: روسيا والعراق وسوريا وحتى إيران، فضلاً عن إرثها العثماني البغيض.

فهل ستغامر تركيا بما راكمته من أعداء في كافة دول الجوار وأبرز دول حلف الناتو، وأعين مخططات التفكيك في انتظارها؟