من يراهن على منع "الميادين" في سوريا؟

القرار الرسمي بمنع "الميادين" من التغطية الإعلامية في جنوب دمشق، سبقه مشوار طويل من إثارة الشكوك والاتهامات التي تمتهنها بعض الأوساط لإعاقة "الميادين" عن أداء واجبها الإعلامي والتشويش على رقيّها المهني. قد يكون قرار المنع ناتجاً مما يُعرف بعداوة الكار في المنافسة التي تخرج عن حدّها المقبول بين أبناء المهنة الواحدة. لكن تبرير المنع بدعوى إبراز الإعلام الرسمي في انفراده بتغطية حدث يجذب استقطاباً مميّزاً، ينمّ عن قلّة طموحات بعض المسؤوليين الإعلاميين الذين يراهنون على عرقلة مهنيّة "الميادين" بغربال المنع.

التزام الميادين في تغطيتها وسياستها التحريرية بالدولة السورية، يدفعها إلى العمل جنباً إلى جنب مع الزملاء في الإعلام السوري

لا تشير الوقائع والمُعطيات إلى أن قرار منع الميادين من التغطية في جنوب دمشق، يصدر عن القيادة السياسية في الدولة السورية. ولا تشير إلى قرار سياسي يحتمل التأويل للتحريض على أركان الدولة السورية ومسؤوليها، كما تقتنص وسائل الإعلام المُعادية لسوريا أي خلل عرَضي في الإدارة سبيلاً لإشاعة مقولات التسلّط والقمع الجاهزة مُسبقاً ضد النظام.

التزام الميادين في تغطيتها وفي سياستها التحريرية بالدولة السورية، يدفعها إلى العمل جنباً إلى جنب مع الزملاء في الإعلام السوري لنقل وقائع الأحداث ومواجهة افتراءات الإعلام المضاد بصدقية الصورة والخبر. وفي الجبهات التي يتعرّض فيه الإعلاميون لمخاطر جمّة، يثني الزملاء في "الميادين" على شجاعة زملائهم السوريين والإعلاميين الآخرين وعلى تفانيهم في التضحية لنيل الجدارة في تحمّل المسؤولية الإعلامية.

ولم يخطر للزملاء في الميادين أنهم ينتمون إلى شبكة إعلامية وافدة إلى سوريا بحثاً عن المنافسة والتميّز وعن الشهرة في السبق إلى الصورة والخبر. فالتزامها الإعلامي بسوريا ينبع من التزام بأخلاقيات المهنة في العمل لوقف تدمير سوريا والتخلّص من مشاريع القتل والإبادة التي تحملها الدول الغربية والخليجية التي تعتمد الجماعات المسلّحة في حروب بالوكالة من أجل مصالحها الخاصة على حساب الدم والتراث السوري.

ولا يقتصر التزام الميادين في أخلاقياتها الإعلامية الإنسانية على سوريا وحدها، بل تعبّر عنه نفسه في العراق وليبيا وفي اليمن وفي أي بلد عربي وإسلامي وأي بلد من دول آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية يتعرّض إلى تهديد الإبادة والتدمير. وما تلقاه الميادين من صدقية ومن استحسان لإدائها المهني بين معظم السوريين، تلقاه بأصداء ربما أشد تعبيراً في البلدان الأخرى التي تشير إلى منارة الميادين بديلاً عن دُعاة الاقتتال والاحتراب في بعض الفضائيات الأخرى.

ولا غرو أن مدرسة الميادين الإعلامية التي رفعتها إلى الارتقاء بالإعلام العربي، تتّخذ في سياستها الإعلامية أسلوباً قد يتنافى مع أساليب الكثير من وسائل الإعلام العربية التي تعتمد على توتير الغرائز والعصبيات العرقية والطائفية والقبلية وغيرها. فهي تسعى جهدها للحوار الهادىء ونبذ لغة التجريح والشتائم في تقاريرها وبرامجها ونشراتها الإخبارية وتغطيتها، فتستطيع بهذا الأسلوب اختراق الاصطفافات والتكتلات المصنّفة في خندق من الناس مقابل خندق آخر لا يختلف ناسه عن أهلهم.

لا يروق أسلوب مدرسة الميادين التي تتحمّل مسؤولية الارتقاء في الإعلام العربي، للكثير من وسائل الإعلام المُعادية لسوريا والمُعادية لوقف الحروب والدمار في البلدان العربية والمنطقة. فيعمل بعضها على عرقلة دور الميادين من جذب الفئات المغرَّر بها بالإثارة الرخيصة والعصبية الغريزية. ولا يروق أيضاً لبعض المسؤولين في الدوائر الإعلامية الأخرى التي تظن أن الخطاب الإعلامي الأكثر صلابة في مواجهة حملات التحريض والافتراء، هو الذي يشدّ العصب وقت المخاطر والمحَن بخطاب عالي النبرَة في كيل التوصيف وأفعل التفضيل.

بعض المسؤولين السياسيين والإعلاميين في الدولة السورية، يعربون عن عدم نجاعة بعض أداء الإعلام الرسمي في مواجهة الإعلام المضاد. ولعلّ الذين أُنيط بهم في الإدارة لتجاوز الخلل والثغرات، يغالون في التعبير عن طموحات ضيّقة تعوزها القدرة على العمل لإرساء رؤية إعلامية أبعد من الاعتماد على منع الميادين من التغطية لإثبات نجاعة الإعلام المنفرد في تغطية الأحداث. فسوريا التي تنهض كطائر الفينيق من بين الرماد نحو أفق السماء، يفوتها أن ينهض معها بعض المسؤولين في إدارة الإعلام الذين يأملون المحافظة على حضورهم بمنع زملائهم.