فُرجة الانتخابات اللبنانية.. الترفيه أولاً

يبحث الجمهور عن التسلية فيلجأ إلى التلفزيون الذي يقدم له مائدة متنوعة من الأطباق السياسية بنكهات درامية. ليس في الأمر غرابة. لم تعد الانتخابات ذاك الحدث السياسي حصراً منذ استقطبها التلفاز وأعاد تدويرها. تتحول ليلة إعلان النتائج إلى ما يشبه مباراة بين برشلونة وريال مدريد. في حوزتنا ما يكفي من الفضول والترقب لمعرفة الفائز.

لم تعد الانتخابات ذاك الحدث السياسي حصراً منذ استقطبها التلفاز وأعاد تدويرها (أ ف ب).

نتسلى؟ لم لا. لسان حال كثير من اللبنانيين في خضم الحملات الانتخابية النيابية. يخاطب أحدهم صديقه "إنه موسم التسلية، الانتخابات يليها المونديال".

ليس في الأمر غرابة. لم تعد الانتخابات ذاك الحدث السياسي حصراً منذ استقطبها التلفاز وأعاد تدويرها. اللعبة الديموقراطية لم تعد بهذا المعنى مجرد آلية لتداول السلطة وتمثيل الناخبين. يستلزم الخطاب السياسي مروراً تلفزيونياً. اللوحات الإعلانية والصحف والإذاعات لا تكفي وحدها. المهرجانات والخطابات والبرامج لا قيمة لها إن لم تمر عبر الأقمار الاصطناعية.  الإعلام الجديد رغم انتشاره وتأثيره لم يصادر وهج الشاشة. هذا الصندوق العجيب ما زال منذ ولادته يستأثر بالمتابعين ويتصدر وسائل الإعلام. ترتفع نسبة المتابعة في أوقات معينة وتزداد عشية الانتخابات. يحتاج الجمهور إلى الاستعلام. التلفزيون لا يقدم هذه الخدمة فقط بل يقوم أساساً على وظيفة التسلية. نحتاج جميعاً إلى الترفيه. وهل هناك أفضل من حالة استلاب مريحة أمام الشاشة لتمضية الوقت؟ نتسلى ونحن نتابع مشادات وسجالات سياسية بقدر ما نتسلى ببرامج الهواة والمسلسلات. يحوّل التلفزيون السياسة إلى دراما ويولّد لدينا انفعالات.

منذ مدة تتسابق القنوات اللبنانية على ابتكار برامج تحاكي موسم الانتخابات. تضيء هذه البرامج على الجوانب الشخصية للسياسيين. إنها سياسة خارج السياسة. ابتكارات هدفها استقطاب مزيد من الجمهور ورفع نسبة المشاهدين. نسب المشاهدة تستقطب إعلانات. الإعلانات هنا لم تعد تنحصر بالسلع والشركات التجارية. السياسي بات معلناً أساسياً هدفه الوصول إلى الناخبين. سعر الدقيقة على الهواء يلامس ستة آلاف دولار أميركي.

يبحث الجمهور عن التسلية فيلجأ إلى التلفزيون الذي يقدم له مائدة متنوعة من الأطباق السياسية بنكهات درامية. السياسة المحضة طبق لا تستسيغ طعمه شرائح واسعة من المشاهدين. بعض التوابل والنكهات تجعله أقرب إلى "الفاست فود". نقدم السياسة بشكل جديد ومبتكر. نجعل الأطفال يحاورون رجل السياسة على مقاعدهم الدراسية ونندهش لأسئلة طفولية بريئة، إنما مراوغة وحذقة. هكذا بإمكاننا التهام وجبة سياسية كاملة. لنستمتع قليلاً بالنكهات والجبن السائل. يفوتنا أن كل شيء معد سلفاً وأن ما يتراءى لنا بريئاً لا يعدو كونه عملية إخراج ومونتاج متقنة. لكنّ لا يهمّ بما أن الجميع راض ونحن جمهور نبحث عن الدهشة والدراما. هل نحن مخدوعون أم متواطئون في هذه اللعبة؟

تكتمل الدائرة ويتحوّل التلفزيون إلى محور الحياة السياسية. في كتابه "Médias et Démocratie, la dérive" (انحراف الميديا والديموقراطية) يتحدث Roland Cayrol بإسهاب عن هذا الانحراف في النظام الديموقراطي وعن دور الإعلام ومسؤوليته في ذلك. الإعلام المرئي بات ينحاز إلى الترفيه أكثر من المحاسبة والرقابة والنقد. يتمثّل هذا الأمر بشكل أساسي في الولايات المتحدة الأميركية. ولكن باعتبار لبنان بلداً مستورداً للأنماط والسلوكيات، كما للسلع والبضائع، فإنه تاريخياً شديد التأثر والقابلية بما يأتي من الخارج.

أمركة الانتخابات والمناهج والنظم لا تنحصر في لبنان دون سائر الدول، حتى الغربية منها. لكن هذه اللوثة تطبع الحملات الانتخابية اللبنانية اليوم أكثر من أي وقت مضى بتأثير من القانون الانتخابي الحالي والمال السياسي، حيث تشتد المنافسة في عدد من الدوائر وتتعزز الحاجة إلى مخاطبة الناخبين واستمالتهم. في دوائر أخرى أقل حماوة يقوم الرهان الأساسي على رفع نسبة الاقتراع، مثل دائرة بعلبك الهرمل أو بعض دوائر الجنوب.

تتطلب هذه الاستمالة تسويقاً سياسياً وتواصلاً خاصاً مع الجمهور. ما زالت بعض الأحزاب اللبنانية، ومنها أحزاب كبيرة من حيث العدد والتنظيم، تفتقر إلى هذه المهارات. ينعكس هذا الأمر في التباين الحاد بين الحملات الانتخابية بحيث تبدو بعض الشعارات والعناوين شديدة الإتقان مقابل حملات إعلامية باهتة وركيكة.


لعبة الأقنعة

في أميركا كما في لبنان التلفزيون هو مسرح هذه اللعبة (أ ف ب).

يهدف كل خطاب سياسي إلى التأثير والإقناع. تتعزز هذه الحاجة خلال الحملات الانتخابية. يحتاج هذا الأمر إلى قدرات خاصة من البلاغة التي تتعدى البلاغة اللغوية بالمعنى اللساني. هدف البلاغة هو إحداث تغيير في الموقف الفكري أو العاطفي عند الجمهور. ليست البلاغة بالمعنى العلمي مجرد حيلة من حيل التعبير. قديماً ميّز أرسطو ثلاثة مستويات من البلاغة:

Logos أي الإقناع من خلال العقل وبقوة المنطق.

Pathos، الإقناع بالتأثير العاطفي.

Ethos، الإقناع من خلال هوية الخطيب.

آليات الإقناع وأدوات التأثير وحدود القدرة على الاستمالة، عناصر تنطبق أيضاً على الجمهور. الجمهور ركن أساسي من أركان اللعبة المتلفزة. هو إما جزء من الأحزاب، أو ناخب متفاعل أو متفرج نشط من دون مشاركة سياسية. لا يتحقق التواصل السياسي ولا تكتمل اللعبة الديموقراطية من دون مشاركة نشطة من الجمهور، مشاهداً أو مشاركاً أو مؤيداً أو متفرجاً، وأخيراً مصوتاً. مباراة عد المقاعد الفائزة تجعلنا نتسمر على الشاشة في ليل الأدرينالين الطويل. نعيش انفعالاتنا ونتبادلها ونحن نتنقل بين القنوات.

كل ذلك يجري في لعبة تماهي بين طرف يتحدث على الشاشة وآخر يشاهد في مقعده.

يقول الباحث والمفكر الفرنسي باتريك شارودو إن الخطاب السياسي هو "ذلك المكان بامتياز للعبة الأقنعة". هذه اللعبة لا تقتصر فقط على السياسي بل تشارك فيها النخب والشعوب.

في أميركا كما في لبنان التلفزيون هو مسرح هذه اللعبة. تتحول الليلة الختامية إلى ما يشبه مباراة بين برشلونة وريال مدريد. في حوزتنا ما يكفي من الفضول والترقب لمعرفة الفائز. يصنع التلفزيون الواقع ويعززه. تعزز الانتخابات النظام القائم. تغيّر أميركا رئيساً تلو رئيس متباهية بلعبتها الجذابة والمسلية، لكن ما يحكمها شركات ومصالح وقوى يمثلها نظام عصيّ على التغيير وخارج لعبة الديموقراطية.

علة لبنان في النظام الطائفي. تخفي أقطاب سياسية مصالحها التي يرعاها النظام الطائفي عبر الاختباء وراء أقنعة وخطابات تحرف النقاش عن أصل المشكلة وتعزز ديموقراطية متلفزة. لم يتحول لبنان إلى دولة منذ ٧٣ عاماً. الفرق بينه وبين أميركا أن الأخيرة صنعت نظاماً إعلاميا يدعم الوضع القائم ويعززه، بينما في لبنان تعكس بعض وسائل الإعلام واقعاً طائفياً موجوداً لدى شرائح واسعة من الجمهور.

لهذا السبب يصبح شائعاً استمالة الناخبين عبر استثارة الغرائز أو بيع الأوهام أو استدعاء الخطر أو التماهي مع التكنولوجيا والسلوكيات العصرية للاقتراب من الأجيال الجديدة والناخبين الشباب.

يبقى التلفزيون ذلك المكان حيث يتمظهر كل ذلك، وحيث يتحول المسرح السياسي إلى صندوق للفرجة بعيداً من أي مشاريع حقيقية لإقامة دولة.