هل تكسر صفعة المكسيك اليسارية هجمات ترامب العدوانية؟

فوز اليسار في انتخابات المكسيك يقطع موسم التوسّع الاميركي في الحديقة الخلفية وتراجع الأنظمة عن اليسار في مواجهة سياسات البيت الأبيض إلى اليمين في حضن الولايات المتحدة. لكن صفعة المكسيك قد تشجّع دولاً في أميركا اللاتينية على مواجهة السياسات الأميركية وعلى التضامن مع إيران وحركات المقاومة ضد مشاريع ترامب العدوانية.

النظام المكسيكي الجديد يرفض سياسة ترامب العنصرية بفصل الأطفال عن ذويهم على الحدود
النظام المكسيكي الجديد يرفض سياسة ترامب العنصرية بفصل الأطفال عن ذويهم على الحدود

الرئيس الأميركي دونالد ترامب يرحّب بفوز رئيس حزب الأحياء الوطني (مورينا) مانويل لوبيز أباردور، آملاً التعاون معه لمصلحة الشعبين في المكسيك والولايات المتحدة، بحسب تغريدته التي ينتهجها ترامب للكسب السريع في العلاقات العامة.

لكن الفوز اليساري الذي أحدث زلزالاً كما وُصف في تعليقات أميركا اللاتينية، قد يكون أساسه ردة الفعل الشعبية العارمة الرافضة لتعليقات ترامب التي تمسّ بكرامة الشعب المكسيكي ومصالحه الوطنية. وفي هذا السبيل، يتعهّد الرئيس اليساري الجديد ببحث العلاقات الثنائية مع الإدارة الأميركية، لكنّه يشترط احترام المصالح والحقوق وعدم انتهاك كرامة الشعب المكسيكي الذي عبّر عن تأييده لبرنامج حزب (مورينا) في صناديق الاقتراع.

ما يدفع إلى التناقض بين الحكم اليساري الجديد في المكسيك وبين إدارة ترامب، لا تحدّ منه الرغبات المتبادلة في نوايا التعاون، بل ربما يكون أكثر عمقاً من الخلافات الاميركية والكورية الشمالية. فترامب يزمع أن من حقه بناء جدار الفصل على طول الحدود مع المكسيك، ويرى لزاماً على المكسيك أن تتكفل بالتكاليف الباهظة. وعلى النقيض من ذلك، يتفق المرشحون الأربعة للرئاسة في المكسيك على رفض مزاعم ترامب في مسألة الجدار وعلى رفض ما يطال به ترامب لأن تقوم المكسيك بدور الشرطة لمنع الهجرة من أميركا إلى الولايات المتحدة عبر أراضي المكسيك. وعلى العكس من ذلك يتعهّد الرئيس الجديد بمساعدة سكان بلدان أميركا الوسطى لعبور الأراضي المكسيكية باتجاه الولايات المتحدة.

النظام اليساري الجديد في المكسيك، يرفض سياسة ترامب العنصرية بفصل الأطفال عن ذويهم على الحدود المكسيكية، ويرفض كذلك رفع الضريبة إلى 20% على تحويلات العمال في الولايات المتحدة إلى المكسيك. وهذه التحويلات تتجاوز 25 مليار دولار في السنة. ولعلّ عقدة الخلافات الكبرى تكمن في قرار ترامب بشأن إلغاء اتفاقية التجارة الحرة مع المكسيك وكندا والاتحاد الاوروبي، وفرض ضرائب مرتفعة لمنع استيراد الحديد والألمنيوم من الدول المشاركة بالاتفاقية ومن الصين.

الفوز اليساري الجديد في المكسيك، يتجاوز في دلائله وأبعاده التناقضات الحالية بين المكسيك والإدارة الأميركية إلى موقع كل منهما على طرفي نقيض تاريخي بين الثورة والاستعمار. فالمكسيك هي أول لواء للثورة ضد الاستعمار الإسباني قبل القرن العشرين، وأول ثورة ضد الولايات المتحدة في أميركا الجنوبية والوسطى. فهذه الثورة استمرت بأشكال متفاوتة بين العامين 1910 و1940. وأسفرت عن تغييرات جوهرية في النظام القديم وعن منافسة أميركا في الإصلاحات الدستورية بشأن تسمية الولايات المتحدة المكسيكية وبشأن مجلسي الشيوخ وغرب النواب وبشأن اتفاق 32 دولة فيدرالية على الاستقلال والسيادة والعدالة الاجتماعية.

فتراث الثورة المكسيكية في أراضي حضارة "المايا" العريقة يضاهي الثورة الفرنسية في الإصلاح الزراعي وحقوق الانسان والمواطنة، وفي هذا المسار التاريخي اتخذت الثورة في أميركا الجنوبية والعالم رموزاً من المكسيك أهمها دياغو ريفييرا في الفن والرسم، وإميلانو زاباتا في المقاومة الاجتماعية وريكاردو ماغون في الاعلام والثقافة. وقد نجحت المكسيك على الرغم من اليد الاميركية الطويلة في حديقتها الخلفية، من بناء اقتصاد صاعد في الصناعات الثقيلة والتحويلية وانتاج الغذاء وفي أن تكون محط أنظار السياحة الثقافية التي يبلغ تعدادها حوالي 22 مليون سائحاً في السنة للوقوف على معالم التراث الحضاري.

الرئيس اليساري الجديد يحمل في ثقافته هذا التراث العريق، الذي عبّر عنه برنامجه الانتخابي بشأن مكافحة الفساد الناتج عن الخوصصة والتبعية للشركات الأميركية، وبشأن مساعدة الدولة لفقراء الأرياف وإعادة توزيع الثروة الوطنية بشكل عادل، على النقيض التام من دعوات ترامب والبنك الدولي والشركات متعدية الجنسية لما يسمى الازدهار والثروة بمنظور الرساميل الكبرى. فبين النقيضين في المكسيك والولايات المتحدة، تاريخ طويل من النهب والغطرسة أدّى إلى استيلاء أميركا على نصف الاراضي المكسيكية في العام 1848 وهي تشمل تكساس وكاليفورنيا ونيوماكسيكو. ولم تزل هذه القرصنة غصة في فم المكسيك وأميركا الجنوبية.

المكسيك المخضّبة بالتجارب الثورية الكبرى وبالهزائم المرّة أمام الغزو الاستعماري والاميركي، أنضج من تستمع لوصايا أميركا بالانكفاء على نفسها سبيلاً لوعود الازدهار والاستقرار. فالحملات الانتخابية ارتكزت على برامج المرشحين في السياسة الخارجية والشؤن الدولية ولم تقتصر على القضايا الداخلية والازمة الاقتصادية. وعلى هذا الأساس فاز الرئيس بحوالي 53% من أصوات الناخبين البلغ عددهم حوالي 90 مليوناً. لكن تحالف حزب العمل وحزب الثورة والمجتمع المدني حظي بالمركز الثاني بحوالي 30 % من الأصوات لمصلحة مرشح حزب العمل ريكاردو أنايا.

هذا الحزب يعقد سنوياً مؤتمراً لحركات المقاومة في أميركا الجنوبية والعالم تشارك فيه أيضاً إيران والصين وروسيا. ففي هذا السياق يكون اليسار قد حظي بأكثر من 83% من ثقة الناخبين، وهو ما دفع الكثير من الفعاليات في الاجنتين وتشيلي وبلدان أخرى على استعادة الثقة للإفادة من تجربة المكسيك لتعميم المواجهة ودعم المقاومة ضد سياسات أميركا ومغامرات ترامب العدوانية.