ما هي احتمالات عزل ترامب؟

لو ذهبنا بعيداً في الافتراض فإن المنصب الرئاسي سيعود تلقائياً إلى نائب الرئيس، مايك بينس، بعد تكليفه رسميا بذلك من الكونغرس. لا تختلف الرؤى حول توجهات مايك بينس السياسية والفكرية بأنه ينتمي إلى التيار الديني المتشدد من "الانجيليين،" وينفذ أجندة التطرف والتعصب ضد كافة الشرائح الاجتماعية التي لا تجمعه بها قواسم مشتركة.

أمام تلك اللوحة من الفرضيات والخيارات من المستبعد جداً تجاوب الرئيس ترامب مع دعوات الفريق الآخر له بتقديم استقالته
أمام تلك اللوحة من الفرضيات والخيارات من المستبعد جداً تجاوب الرئيس ترامب مع دعوات الفريق الآخر له بتقديم استقالته

يستند فريق المؤيدين لاجراءات العزل على نصوص مادة الدستور الثانية التي تجيز "عزل الرئيس .. إذا وُجّهت تهم بارتكاب الخيانة العظمى أو تلقي رشاوى أو التورط في جرائم كبرى أو جنح خطيرة، وتمت الإدانة وفق تلك التهم." الحلقة المركزية المفقودة في هذه المرحلة هي دور المحكمة العليا المنقسمة عموديا، 4-4، والتي لم تبت من قبل فيما إذا كان ممكناً توجيه اتهام لرئيس البلاد وهو على رأس منصبه.

 إضافة لذلك القدر من "ضبابية" النصوص حصّنت المؤسسة الحاكمة نفسها بمذكرة أعدتها وزارة العدل عام 2000 أوجزت فيها أن "الإجراءات الجنائية (ضد الرئيس) ستتعارض على نحو لا يمكن السماح به مع قدرته على أداء مهام وظيفته."

القرار النهائي بشأن العزل من عدمه يعود لمجلسي الكونغرس: تبني مجلس النواب بأغلبية بسيطة (50+1) الدعوة للعزل ورفع توصية بها لمجلس الشيوخ، الذي إن وافق على النظر بها فيحتاج لأغلبية ثلثي الأعضاء (67) للبت فيها. في ظل التوازنات الراهنة، أغلبية المجلسين هي بيد الحزب الجمهوري، فمن المستبعد أن يقدم الحزب على تسجيل سابقة قانونية بأن رئيس البلاد المنتمي له يقف مهدداً باجراءات العزل، فضلاً عن عدم التيقن من توفر الأصوات المطلوبة للمضي بذلك.

لو ذهبنا بعيداً في الافتراض فإن المنصب الرئاسي سيعود تلقائياً إلى نائب الرئيس، مايك بينس، بعد تكليفه رسميا بذلك من الكونغرس. لا تختلف الرؤى حول توجهات مايك بينس السياسية والفكرية بأنه ينتمي إلى التيار الديني المتشدد من "الانجيليين،" وينفذ أجندة التطرف والتعصب ضد كافة الشرائح الاجتماعية التي لا تجمعه بها قواسم مشتركة.

 المؤرخ الأميركي الشهير، آلان ليكتمان، واكب الانتخابات الرئاسية عن كثب منذ عام 1981 وتنبأ بصحة نتائج الانتخابات منذ ذاك التاريخ، مما أكسبه مصداقية داخل المؤسسة السياسية. أنجز ليكتمان كتاباً جديداً بعنوان "شروط العزل،" استعرض فيه جملة الأسباب الموجبة بالعزل لا سيما "تضارب المصالح بين الأعمال التجارية والسياسية .. وما قد يؤدي إلى تدفق فائدة مالية من دولة أخرى" يعد انتهاكاً لدستور البلاد. واضاف ليكتمان أن نحو 20 بلداً أجنبياً هي شريكة في مؤسسة ترامب.

 ليكتمان "يرجح" انجاز إجراءات العزل، هذه المرة، ضد ترامب، على الرغم من تحذير شبه إجماع بين أوساط المحللين السياسيين لصعوبة تنفيذها "إلا في حال اقترافه جرائم جديدة،" والتشديد هنا على "جديدة" أذ لا يوجد أي دلائل تشير إلى اقتراف ترامب "جرائم" تستدعي العزل، كما يعتقدون. وذلك على الرغم من أن القيادات التقليدية في الحزب الجمهوري لا تعتبر ترامب "جمهورياً كلاسيكياً،" وغير مفيد لها على المديين القصير والمتوسط، بيد أنها ليست على استعداد لعزله عشية الانتخابات التشريعية المقبلة، تشرين الثاني/نوفمبر القادم.

كما تدرك تلك القيادات في الحزب الجمهوري التداعيات السياسية في حال المضي باجراءات العزل لما تختزنه ذاكرتها من تجربة ليست بالبعيدة نسبيا، حينما أصر الحزب على بدء الإجراءات القانونية ضد الرئيس بيك كلينتون آنذاك، 1998، وما أظهرته القاعدة الانتخابية في الانتخابات التشريعية /النصفية من ضيق ذرعها بتوجهات الكونغرس لتسجيل نصر سياسي ضيق الأفق عوضاً عن تنفيذ سياسات تعالج التحديات التي يواجهها المجتمع. وبالنتيجة، خسر الحزب الجمهوري أغلبيته النيابية في لحظة تشدد سياسي غير مبرر.

من بين الخيارات الأخرى المتوفرة، نظرياً على الأقل، ما يعتبره البعض "خيار نيكسون،" أي تقديم الرئيس استقالته طوعياً. بيد أن التداعيات السياسية آنذاك على الحزب الجمهوري كانت بمثابة إعصار ضرب بنيته وهز سمعته جراء تضافر قيادات الحزبين بمطالبة نيكسون بالاستقالة.      

أما حظوظ رضوخ الرئيس ترامب لمطالب الاستقالة فهي ضئيلة في أفضل الأحوال، فضلاً عن غياب أي عضو كونغرس من الحزب الجمهوري يدعم تنحية أو عزل الرئيس عن منصبه – بخلاف الظروف السياسية التي رافقت استقالة نيكسون.     

الخيار الآخر بعيد المدى يكمن في تلبية مطالب ترددت مراراً بضرورة تطبيق مادة التعديل الدستوري الخامسة والعشرين، التي من شأنها تفادي الجدل السياسي والضغائن الدفينة المرافقة لإجراءات العزل.  

صادق الكونغرس بمجلسيه على تلك المادة في أعقاب اغتيال الرئيس جون كنيدي والتي تتيح الانتقال السلمي للسلطات الرئاسية من الرئيس إلى نائبه على الفور "في حال الوفاة، او العزل، أو الاستقالة، أو العجز عن القيام بمهامه".    

أما تطبيق المادة فقد تمت تجربتها سريعاً بعد فضيحة ووترغيت: تعيين جيرالد فورد نائباً للرئيس بعد تنحية النائب المنتخب سبيرو آغنو؛ تسلم فورد (غير المنتخب) مهام الرئيس بعد استقالة نيكسون؛ وتعيينه نيلسون روكفلر نائباً للرئيس بعد شغر المنصب.   

الاحتمال الأقرب للتطبيق، في حال قرر الحزب الجمهوري المضي بعزل ترامب، هو التعويل على مبادرة يقوم بها نائبه مايك بينس لإقناع أغلبية وزراء الحكومة الحالية إعلان الرئيس ترامب غير مؤهل للقيام بصلاحياته، واستجابة الكونغرس لذلك بتعيينه رسمياً رئيساً للبلاد. أما إقدام بينس على تلك الخطوة المحفوفة بمخاطر جمى لا تتعدى الفرضية السياسية ليس إلا.   

في ثنايا مادة التعديل المذكورة يكمن نقيضها العملي: تسمح للرئيس مواجهة الاتهامات له بفقدان أهلية التحكم بالمنصب، مما يضع الرئيس ترامب، في نظر قاعدته الانتخابية المتماسكة، في موقع الهجوم بدل الدفاع.     

الخيار الأخير، نظرياً، هو العمل خارج نطاق القانون والأسس الدستورية، وهو خيار مستبعد في أغلب الأحوال، مما يقتضي تحشيد الشعب الأميركي للتظاهر ضد الرئيس ترامب والتداعيات المرافقة له وعلى رأسها فقدان السلطات زمام التحكم بالأمور، فضلاً عن الدور المناط بالقوات العسكرية التي لم يجرِ امتحان ولائها ضد ركن محوري من أركان السلطة من قبل.  

بل ويمكننا القول أن الدعم والتأييد الذي تكنه المؤسسة الأمنية، العسكرية والاستخباراتية والشرطة المدنية، للرئيس ترامب أمر لا يختلف عليه أحد وإن كانت غير شاملة؛ مما يقوّض نجاح تداول الفرضية عينها. هذا فضلاً عن رفض المؤسسة الحاكمة برمتها مواجهة احتجاجات واضطرابات اجتماعية قد تفضي إلى ما لا يحمد عقباها.   

أمام تلك اللوحة من الفرضيات والخيارات من المستبعد جداً تجاوب الرئيس ترامب مع دعوات الفريق الآخر له بتقديم استقالته، أو نجاح الفريق المناويء له في النيل منه قبل الانتخابات التشريعية. أما ما يخبئه القدر فيما بعد، فلكل حادث حديث والتغيرات الظرفية عينها ستفرض معادلات جديدة. خلاصة الأمر أن الرئيس ترامب باقٍ في منصبه لأجل قريب، على أقل تقدير.