لماذا يعلن إردوغان عن انسحاب " المتشددين" من إدلب؟

تأكيدات أردوغان عن صعوبة الوصول إلى حلّ فيما يخص المشكلة السورية بين ليلة وضحاها، ودعوته إلى وقف إطلاق النار لم يستفز الروس والإيرانيين، بل دفعهم إلى مزيد من التروي، فعامل الوقت لم يعد ضاغطاً عليهم، بقدر ما هو ضاغطٌ على أخصامهم، وهم مستعدون إلى تحمل التأخير بهدف الحصول على نتيجة أفضل، فالتأخير لضم تركيا إلى الاتفاق أفضل من التسرع وتركها في الخلف، حيث ينتظر الخصوم.

أبدت طهران وموسكو اهتماماً خاصاً بالمشكلات التي يمكن أن تواجه تركيا إزاء عملية محتملة تستهدف إدلب
أبدت طهران وموسكو اهتماماً خاصاً بالمشكلات التي يمكن أن تواجه تركيا إزاء عملية محتملة تستهدف إدلب

لقد عقدت القمة باجتماع دول ثلاث تتباين أفكارهم ومصالحهم السياسية فيما يتعلق بسوريا، وقد أبدت طهران وموسكو اهتماماً خاصاً بالمشكلات التي يمكن أن تواجه تركيا إزاء عملية محتملة تستهدف إدلب.
بعد ذلك بسرعة، أتى الحدث الثاني، حيث تولى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين صياغة المخاوف التركية والأهداف الروسية والإيرانية والسورية ضمن اتفاقه مع أردوغان بشأن إدلب، وذلك خلال قمة سوتشي الأخيرة.
اللافت في الاتفاق ثلاث نقاط: الأولى هي في مضمونه حيث شكلت كل النقاط فرعاً ذا مصبّ واحد، وهو عودة إدلب تدريجياً إلى حضن الدولة السورية ابتداءً من الأشهر الثلاثة المقبلة، ثم إلى حين اكتمالها. والنقطة الثانية تتمثل بترحيب إيران وحزب الله بسرعة بهذا الاتفاق، الذي ينص على إقامة منطقة عازلة منزوعة السلاح في محافظة إدلب، حيث اعتبر وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريق أن الاتفاق يساهم في تفادي الحرب من جهة، ويعبر عن التزام طهران وأنقرة وموسكو بمكافحة الإرهاب. أما النقطة الثالثة، فهي ترحيب دمشق نفسها بالاتفاق، وتأكيدها "كان حصيلة مشاورات مكثفة بين الجمهورية العربية السورية والاتحاد الروسي وبتنسيق كامل بين البلدين"، بحسب ما أعلن مصدر في الخارجية السورية لوكالة الأنباء السورية "سانا" عقب الاتفاق.
أما الحدث الثالث فكان سقوط الطائرة الروسية "إيل20". فروسيا لم تخدع بالحيلة الاسرائيلية التي كشفتها موسكو عبر أجهزة المراقبة، ومن خلال التحقيق الذي أجراته استخباراتها، بالرغم من محاولات التمويه التشويه والاعتذار التي حاولت إسرائيل من خلالها التعمية على حقيقة ما جرى، ليتبين أن تل أبيب تتحمل المسؤولية الكاملة عن إسقاط الطائرة الروسية بالدفاعات السورية، بحسب ما أعلنته وزارة الدفاع الروسية في 23 أيلول، حيث أكدت الوزارة أن مقاتلة إسرائيلية نفذت مناورة اقتراب من الطائرة الروسية ما اعتبرته أنظمة الدفاع السورية محاولة قصف جديدة.
إن كشف روسيا للمساومات التي أجرتها مع إسرائيل، يعني أنها تجاوزتها إلى مرحلة جديدة، عنوانها الرد على هذا التصرف، ولاحتمالات الرد أوجه عديدة، ستكون كلها في مصلحة سوريا بمقتضى المنطق الطبيعي للأمور.

وبنتيجة ذلك كله، أمر بوتين قواته بـنشر أنظمة رقابة وحماية متطورة للدفاع عن قاعدتي حميميم وطرطوس غرب سوريا، وأغلق أجواء مناطق تحليق الطيران الإسرائيلي الذي يمكن وصوله إلى منطقة الساحل السوري.
وتفترق هذه الأحداث في كون المتضررين يريدون الفصل بين كل مكون من مكونات الانتصار السوري، ودفعه إلى التفكير في مصالحه بعيداً عن المكونات الأخرى. فمنطق إسرائيل لطالما ركّز بعد كل ضربة داخل الأراضي السورية على أن تل أبيب تستهدف المصالح الإيرانية، وقواعد الوجود الإيراني، وقوافل السلاح إلى المقاومة اللبنانية. محاولةً الفصل بين سوريا وإيران وحزب الله وروسيا، وخلق فهم روسي يعتبر إيران وحزب الله منافسين للنفوذ الروسي في سوريا. علماً أن هذه المنافسة غير محتومة ولا يفترض حصولها بالضرورة، ذلك أن مستوى نفوذ كل من القوى الثلاث في سوريا يختلف كما ونوعاً، وهو على مستويات متنوعة في مطالبه الميدانية والسياسية. فإيران وحزب الله يهمهما بالدرجة الأولى بقاء سوريا مساحة لحماية المقاومة بوجه إسرائيل، وتأمين خطوط الدعم اللوجستية، وضمان عدم تحول سوريا إلى خنجر في خاصرة المقاومة، تماماً كما كان الموقف السوري على الدوام تجاه لبنان، بأن لا يتحول إلى خنجر في خاصرة سوريا وموقفها القومي، وبالتالي فإن هذه المقاربة تتوافق مع مصلحة لبنان وسوريا وتناغم دوريهما تاريخياً. بينما تريد روسيا من الانتصار في سوريا تثبيت نفوذها الشرق أوسطي، وضمان موطئ قدمٍ لها على القضايا الأساسية في المنطقة، الأمر الذي يمكنها من لعب دور في مختلف قضايا الشرق الأوسط، هذا من ناحية؛ بينما من ناحية أخرى فإن مستوى مطالب السياسة الخارجية الروسية من روسيا هو مستوى عالمي بحت، وليست مستوى محلي أو إقليمي كما هي حال مطالب حزب الله وإيران.