هل يقدم ترامب الحماية للسعودية أم يغطي حكامها؟

الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي يطلب ثروات الجزيرة بأكملها ثمناً للحماية الأميركية، ربما يستغل انطباعاً تروّجه السعودية مفاده أن الجهود التي تبذلها أميركا ذات كلفة عالية نظراً إلى حجم الأطماع الخارجية والداخلية التي تهدّد استقرار بلد ثري آمن. لكن ارتفاع ثمن الحماية الأميركية هو بحجم الجهود التي تبذلها واشنطن لحماية الحكم السعودي من أزمات مستحلية الحل يختلقها بنفسه.

ترامب يستغل انطباعاً تروّجه السعودية مفاده أن الجهود التي تبذلها أميركا ذات كلفة عالية نظراً إلى حجم الأطماع الخارجية والداخلية التي تهدّد استقرارها
ترامب يستغل انطباعاً تروّجه السعودية مفاده أن الجهود التي تبذلها أميركا ذات كلفة عالية نظراً إلى حجم الأطماع الخارجية والداخلية التي تهدّد استقرارها

الولايات المتحدة في زمن ترامب لا توفّر الحماية للسعودية، إنما توفّر لها تغطية السياسات التي يتبنّاها الحكم السعودي في إدارة الحكم وفي سياسته الإقليمية والخارجية. وهي مهمة شديدة الصعوبة والكلفة، نظراً إلى أن دور الحكم المميّز يتميّز بقدرته على اختلاق الأزمات المستعصية لنفسه وحوله، ويتجاوز بذلك كل مألوف في الأنظمة الملكية والاستبدادية وما كان يُعرف في القرون الوسطى بالأنظمة الثيوقراطية.

الأزمة التي افتعلها الحكم السعودي مع قطر، الشريك في مجلس التعاون الخليجي، سببها العميق هو عدم اقتناع الحكم السعودي بوجود دولة صنعتها بريطانيا في غفلة من الزمان قبل أن يتمدّد إليها الحكم السعودي بالشراكة مع الولايات المتحدة التي ورثت بريطانيا.

وفي الإطار نفسه يطمع الحكم السعودي بأجزاء من سلطنة عُمان كما طمع بجيزان وعسير اليمنية، وكما يطمع باليمن وفي محافظة الهمرة كحاجة له في الوقت الحالي لتمرير أنابيب النفط إلى البحر.

تغطية أطماع الحكم السعودي في قطر على سبيل المثال لا الحصر مكلفة لترامب، الذي يضطر لبذل جهود صعبة لا تتبعها دولة كبرى مع شركائها للمحافظة على قواعدها العسكرية وأساطيلها ومصالحها الاستراتيجية.

فمن الصعب على دولة كبرى إدارة الأزمات الصغيرة التي يفتعلها الحكم السعودي كما تفتعل دول الموز، إلاّ إذا كان رئيسها كترامب لا يضيره تنظيف الأوساخ ولكل ما يقوم به ثمن.

المثل الآخر الذي يغطيه ترامب، هو رد الفعل السعودي على كندا التي أثارت بديهية خرق حقوق الإنسان في السعودية. والمسألة لا تزال مستمرة في موضوع التجسس على الطالب السعودي عمر عبد العزيز في كندا وعلى محاولات اختطاف المعارضين السعوديين. فترامب الذي لا يحرّك ساكناً سوى لذر الرماد في العيون، يطلب الثمن مقابل التغطية على ما يقوم به محمد بن سلمان الذي يصبّ عليه ديفيد هيرست جام غضبه في الموقع البريطاني (ميدل إيست آي) ويصفه بالحقد والجموح للانتقام الهمجي بعد الوقيعة بجمال خاشقجي.

ترامب يطلب 4 مليارات دولار ثمن تغطية عملية سرّية للغاية، بحسب مقال جوش روغين في الـ "واشنطن بوست"، ولم يتم تسريب ملامح هذه العملية التي قد تكون عدواناً على شخصية في مكان ما نظراً إلى المبلغ الزهيد الذي يطلبه ترامب مقابل المساعدة في الإجرام. لكن ما يطمح إليه ترامب هو تسديد ثمن تغطية العدوان السعودي على اليمن. فبيع السلاح للسعودية أهم من اليمن، بحسب مايك بومبيو.

لكن ترامب لا يرى كما يرى وزير خارجيته في تقدير الأثمان مقابل تغطية الجرائم السعودية في اليمن. بل يطلب ثمن تغطية العدوان في الأمم المتحدة وفي المؤسسات الدولية، كل ثروات الجزيرة العربية ولا سيما شركة أرامكو النفطية مقابل إطلاق يد السعودية في تجويع اليمن وتدمير حضارته وقتل أطفاله.

ما أشار إليه ترامب بشأن عدم بقاء الحكم السعودي أكثر من أسبوعين من دون الحماية الأميركية، يقصد به إذلال الحكم السعودي لدفعه إلى الانصياع في تسليم ثروات الجزيرة. فترامب كان قد تلقى لتوّه تقريراً سرّياً من البنتاغون يذكر بحسب بعض التسريبات أن الحكم السعودي لا يصمد أكثر من أسبوعين في حرب مع إيران. ولم يذكر التقرير أن حماية الجيش الأميركي تمنع مثل هذه الحرب، ومن المستبعد جداً أن تمنع أميركا مثل هذه الحرب إذا خطر للحكم السعودي العدوان على إيران. فما يمنع وقوع هذه الحرب هو إيران التي لا تريد أن تقدّم الجزيرة والخليج على طبق من ذهب للولايات المتحدة و "إسرائيل" إذا وقعت الحرب.

وما يمنع وقوعها أيضاً هو عجز السعودية عن مواجهة إيران. فهي ترى الحرب في اليمن كما يقول يوسف العطية هي الأسهل والأقل خطورة. وهو ما يغطيه ترامب ويحميه بحماية الحكم السعودي من أزماته.