هل باتت رقبة ابن سلمان بين أيدي إردوغان؟

البيان السعودي الصادر بعد جهد جهيد لإعلان موت جمال خاشقجي نتيجة شجار في القنصلية السعودية، كان محتملاً منذ حديث رونالد ترامب عن مجموعة مارقة. لكن تعليق حزب العدالة والتنمية التركي في إشارته إلى المضي في كشف الملابسات واكتشاف الجثّة، قد يبقى تحت سقف رواية إعفاء ابن سلمان من المسؤولية إذا لم يصل التحقيق المستقل إلى استجواب المتهَمين عمّن دبّر وأمر في القصر الملكي.

السعودية لم تشكّل هيئة تحقيق. بل شكّل محمد بن سلمان "لجنة أزمة" تضم ممثلين عن الأجهزة الاستخبارية ووزارة الخارجية والأجهزة الأمنية
السعودية لم تشكّل هيئة تحقيق. بل شكّل محمد بن سلمان "لجنة أزمة" تضم ممثلين عن الأجهزة الاستخبارية ووزارة الخارجية والأجهزة الأمنية

ترحيب الرئيس الأميركي بالبيان السعودي، لا يشمل تأييد الرواية السعودية بأن خاشقجي قضى نتيجة شجار في القنصلية من دون أمر ولا علم محمد بن سلمان بل يشمل أيضاً ترحيب ترامب بتشكيل لجنة وزارية برئاسة محمد بن سلمان لإعادة هيكلة الاستخبارات العامة لهيكلة المستجدات وإعادة هيكلة الحكم بما يطمح إليه بن سلمان لوارثة والده الملك سلمان.

البيان السعودي "ذي المصداقية" بحسب وصف ترامب، ليس وليد لحظة اتصال الرئيس التركي بالملك سلمان كما ينشر الإعلام التركي والقطري، إنما هو بحسب مجريات الأحداث نتيجة تنسيق مشترك بين ترامب وإردوغان والملك السعودي. فاتصال الملك سلمان بالرئيس التركي حين كانت التسريبات الإعلامية تضعضع عرش ابن سلمان، أسفر عن مخرج تشكيل "فريق عمل مشترك" بين تركيا والسعودية. وعلى إثره استطاع القنصل السعودي محمد العتيبة مغادرة تركيا بعد أن كان اسمه مدرجاُ على لائحة الممنوعين من السفر في المطارات ونقاط الحدود التركية. وبخروج القنصل من دون سماع أقواله تفقد أنقرة الشاهد الوحيد الذي يمكن أن يشي بخيط يؤدي إلى أوامر القصر الملكي.

ترامب الذي ذكر أنه ينتظر نتائج ثلاثة تحقيقات في الإشارة إلى التحقيق التركي والتحقيق السعودي والتحقيق الأميركي، يغفل عمداُ أنه عطّل التحقيق الأميركي. ولا يزال حتى الساعة يمتنع عن تلبية مطالب الأعضاء في مجلسي النواب والشيوخ للإ فراج عن معلومات بحوزة الاستخبارات الأميركية، ويرفض تشكيل هيئة تحقيق أميركية. فأميركا تحتاج إلى السعودية كقوة لتحقيق التوازن مع إيران، بحسب قوله رداً على دعوات المشرّعين الأميركيين لتعليق تصدير الأسلحة إلى السعودية والضغط على الرياض في التجاوب مع تحقيق فوري شامل وشفّاف بحسب تعبير الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيرنتيش.

السعودية لم تشكّل هيئة تحقيق. بل شكّل محمد بن سلمان "لجنة أزمة" تضم ممثلين عن الأجهزة الاستخبارية ووزارة الخارجية والأجهزة الأمنية. وفي هذا السياق أعلن النائب العام السعودي سعد الله المعجب عن توقيف 18 شخصاً لم يُعلن إذا كان بينهم قائد "المجموعة المارقة" عبد العزيز المطرب وصلاح الطبيقي "الطبيب الشرعي". فالأمر الملكي صدر بإعفاء أحمد العسيري وسعود القحطاني وثلاثة مسؤولين عسكريين "حاولوا التكتم علة ما حدث والتغطية على ذلك" بحسب البيان السعودي.

التحقيق التركي هو تحقيق جنائي يعمل على البحث عن أدلة مقتل جمال خاشقجي في القنصلية. ولا ريب أن مصادر التحقيق قد سرّبت للإعلام التركي والعالمي القرائن والمعلومات والتسجيلات التي وصلت إلى واشنطن والرياض. لكن التحقيق التركي لا يحقق مع متهمين لمعرفة دوافع الجريمة والمسؤول السياسي عن التدبير وإصدار الأوامر. ففريق العمل المشترك ينقل ما يراه مناسباً إلى التحقيق التركي ولا يأمل التحقيق التركي الوصول إلى المتهمين الذين أحدثوا "الشجار" في القنصلية. ولهذا "تثمّن الحكومة السعودية التعاون المميّز الذي أبدته أنقرة بقيادة الرئيس رجب طيّب إردوغان" كما ورد في بيان الاعتراف السعودي.

أوّل تعليق على البيان السعودي أذاعته نائبة رئيس الحزب التركي الحاكم ليلى شاهين بالاطمئنان إلى أن "التحقيق مستمر ليتم الكشف عن كل الملابسات". وهو أشبه بتعلق الناطقة باسم البيت الأبيض سارة ساندرز بأن ترامب يواصل متابعة التحقيقات. لكن نائب حزب العدالة والتنمية السياسي المخضرم عمر مشيليك أوضح أن أنقرة تقوم بتحقيق مستقل إلى جانب فريق العمل المشترك. و"أنه يتوجب الكشف عن كافة الضالعين" من دون الإشارة إلى مساعي تركية للوصول إلى التحقيق مع المتهمين. ففي زحمة أخبار التحقيق الجنائي التي تعجّ بالإثارة يطغى الاهتمام على معرفة المزيد من التفاصيل المثيرة للكشف عن الأفلام البوليسة. وتضيع الغاية من كشف الأدلّة والقرائن الجنائية بأنها وسيلة للوصل إلى محاكمة الجاني ومعاقبته وليس الكشف غاية بذاتها.

أنقرة التي ساهمت بخطوات تنسيق الإخراج السعودي "للشجار" مع ترامب وبومبيو وجاريد كوشنر، التقت في أوّل الخطوات مع مستشار الملك سلمان صديق الرئيس إردوغان الحميم الأمير خالد الفيصل، ومع مبعوث ترامب إلى الرياض وأنقرة مايك بومبيو. ولا يبدو أن أنقرة بصدد التصعيد مع الرياض بعد البيان السعودي، في تلبية الدعوات إلى تحقيق مستقل للوصول إلى المسؤول الذي أمر ودبّر. فهي تستمر في كشف الملابسات والتحقيق لاكتشاف الجثّة، لكن شجاراً بالإيدي أوقع كل هذه التداعيات وربما تفضّل تركيا الصداقة المربحة مع الرياض على خسائر الشجار.