ما هي دروس قَتْل خاشقجي؟

يقول البعض بأن دماء خاشقجي لطّخت وجه المملكة ووليّ عهدها، نعم ولكن إلى حين. ذاكرة الغرب الإنسانية ترتبط بالمصالح والمصالح فقط، وورقة خاشقجي ستبقى حاضرة فقط متى تطلّبت مصالح أردوغان وترامب وحزبيهما ذلك.

قَتْل خاشقجي قَتَلَ الأمل بأية معارضة أو حتى تصويب للنهج وليس للنظام القائم
قَتْل خاشقجي قَتَلَ الأمل بأية معارضة أو حتى تصويب للنهج وليس للنظام القائم

قصة أمّ كلثوم حين أرادت أن تغنّي قصيدة "وُلِدَ الهدى" لأحمد شوقي وطلب منها "القصر" أن تحذف البيت الشهير من القصيدة:

الإشتراكيون أنت أمامهم.. لولا دعاوى القوم والغلواء

أمّ كلثوم رفضت حَذْف البيت وقالت وفق حديث الرُواة – إن القصر الذي يهتزّ ببيتٍ في قصيدة، كائناً مَن كان قائلها أو مؤيّدها، قصر مُهدّد بالزوال أو لا يستحق البقاء!

استقالة خاشقجي من رئاسة تحرير "الوطن" في ليلة عقد قرانه بتاريخ 15 – 5- 2010، والفارِق بين الحادثتين يتمثّل في أن الحادثة الأولى ظهرت في إطار إقالة صريحة، أما الثانية فأتت مُغلّفة باستقالة تحت ذريعة التفرّغ للأعمال الخاصة! 

الكلام أعلاه هو للكاتِب السعودي أحمد عدنان وَرَدَ في كتابه "السعودية البديلة ملامح الدولة الرابعة". في الكتاب المذكور وتحت عنوان  "أزمة (وطن) الصحافة تُقتل مرتين" يعرّف الكاتب الراحل جمال خاشقجي بأنه ليس مناضلاً ثائِراً، وفي المُقابل لم يكن بوقاً أو مدلساً، هو صحافي مهني موالٍ للنظام عن صدقٍ، ويؤيّد سياسته الخارجية ويّتفق ويختلف مع السياسة الداخلية عن تجرّد وقناعة. 

يسعنا القول بأن هذا الكلام يعود إلى عام 2012 اذا ما أردنا الاعتماد على تاريخ الطبعة الأولى للكتاب، أما اليوم ونحن أمام تصفية جسدية حقيقية لخاشقجي لا ندري إن كان هناك مَن يجرؤ على القول بأن الصحافة - برغم محدوديّة فعاليّتها ليس في المملكة العربية السعودية فقط وإنما في العالم العربي والإسلامي بشكلٍ عام- قد قتلت وقطعت ولا "جثة" لها لتدفن  طالما أننا نتحدّث عنها كمفهوم.

ولكن لنحصر الحديث بمقتل جمال خاشقجي وتعيين أضلع القضية: المملكة، تركيا وإعلامها والولايات المتحدة بشكل محدّد.

بالعودة إلى القضية المُثارة يمكن القول بأن طريقة القتل من خلال الاستدراج المُحتَمل إلى تركيا والاستدراج الأكيد إلى القنصلية السعودية في اسطنبول عبر تحديد موعد ثان لتخليص أوراق خاصة، وحضور 15 شخصاً لإنجاز مهمة التفاوض للعودة إلى ربوع الوطن - بحسب الرواية الرسمية السعودية- التي تطوّرت إلى شِجارٍ أدّى إلى القتل بالمنشار - بحسب روايات الإعلام التركي المُستندة إلى مصادر مطّلعة- مسألة ستدعو أيّ سعودي مُتمايز إلى التفكير ألف مرة ليس في إبداء أية وجهة نظر مختلفة فكيف بالانتماء  إلى المعارضة. وربما هذا ما لمسناه على أرض الواقع في عالم الافتراض، تحديداً على موقع تويتر حيث ينشط الخليجيون عامة والسعوديون بشكلٍ خاص.

وكان يمكن أن تكون السعودية في مقلب آخر لو تم اعتماد مسار مُغاير. في هذا السياق نذكّر بخطوات قام بها ملوك سعوديون راحلون، على سبيل المثال لا للحَصْر، أصدر الملك خالد بن عبد العزيز عفواً بعد أسبوعين من تولّيه الحُكم عن كل المُعتقلين السياسيين في الخارج والداخل داعياً إيّاهم إلى المساهمة في بناء الوطن.

الخلاصة الأولى: قَتْل خاشقجي قَتَلَ الأمل بأية معارضة أو حتى تصويب للنهج وليس للنظام القائم ..

من إعدام الشيخ نمر باقر نمر إلى الحرب على اليمن التي لا تزال متواصلة برغم بشاعة المجازر وجرائم الحرب التي وثّقت ولا تزال تُوثّق من قِبَل منظمات حقوقية عالمية، إلى احتجاز أمراء ورجال أعمال نافذين سعوديين في فندق الريتز ، إلى احتجازٍ آخر طاول رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري برغم نكرانه للأمر، وصولاً إلى حادثة مقتل خاشقجي، مسار واضح يتّسم بتعبيد الطريق لوصول وليّ العهد الأمير محمّد بن سلمان إلى العرش مُتسلّحاً بالأنا المرتفعة وبهجومية مُغمّسة بالدماء في كثيرٍ من الأحيان تؤكّد حقيقة أن الأمر لي وحدي.

الخلاصة الثانية: قَتْل خاشقجي هو بمثابة قَتْل السعودية القديمة بسياساتها المُهادنة (أقلّه علناً) إلى الأبد ..

أما بالنسبة إلى تركيا أحد أضلع القضية ممثّلة بداية بإعلامها ومن ثم برئيس جمهوريتها، فيمكن القول  بأن الأولى لم تتسلّح بمصداقية مهنية إذا لم نقل بأنها كانت شريكاً "سياسياً" ساهم في عملية استدراج ــــ اعتراف سعودي تلو الآخر وبالتالي ساهمت في تحسين شروط التفاوض!

لا يجادل إثنان على أن خطاب الثالث والعشرين من الجاري للرئيس التركي رجب طيب أردوغان شكّل نقطة تحوّل، إذ لم يؤكّد (إلإ) مسألة القتل "المُتعمّد"، وعليه مَنْ يمكن أن يستعيد بثقة ويستند إلى السيناريوهات المُتضارِبة التي فاق بعضها الخيال ليقرأ في ما حدث.

في الواقع قضى المسؤولون الأتراك السياسيون والأمنيون على حد سواء على ما تبقّى من مصداقية الجسم الصحافي، وبالأخصّ المحسوب على الرئيس التركي، إذ لا بدّ من التذكير بأن تركيا توصَف بأكبر سجن للصحافيين في العالم.

الخلاصة الثالثة: قَتْل خاشقجي قَتَلَ مصداقية الصحافة التركية في عهد الرئيس أردوغان...

يقول أحد الكتّاب السعوديين "علينا أن نعلم بأن في المحنة منحة" وأن هذه الأزمات هي خير إذ أنها تفرز الأصدقاء من الأعداء. في الواقع لم يخطىء، فمن سمع ما قاله وليّ العهد الأمير محمّد بن سلمان أثناء مشاركته في ندوة بالمؤتمر الاستثماري في الرياض حول عدم إمكانية حصول شَرْخ في العلاقات السعودية التركية في ظلّ وجود الملك سلمان بن عبد العزيز وشخصه ، وأردوغان يعلم بأن هناك علاقة قَيْد الترميم. وهنا من المفيد الإشارة إلى أن الرئيس التركي لم يتناول المملكة ولا مسؤوليها بأية كلمة سوء رغم ما أظهرته العملية من انكشاف أمني تركي.

بالنسبة إلى الولايات المتحدة المنفى الاختياري لجمال خاشقجي فهي مربض الفرس. لم يتفاعل البيت الأبيض منذ اكتشاف عملية القتل، ولا نبالغ إذا ما قلنا بأن الإعلام  الأميركي الذي أصبح جمال خاشقجي جزءاً منه منذ عام تقريباً، هو الذي أثار الملف من بابه الواسع. ولكن ولأن علاقات الدول تحكمها المصالح فقد وظّفت القضية - كما أصبح الجميع يعلم- لتسوية ملفات عالقة قد تتكشّف أكثر في المقبل من الأيام. هنا ينبغي أن ننتظر تطوّرات على الساحة الكردية السورية وعلى ساحة إخوان مصر، ومَن يعلم ربما تصل إلى بنسلفانيا، كما ننتظر مزيداً من الابتزاز المالي الترامبي للمملكة.  

الخلاصة الرابعة: هل قَتْل خاشقجي قَتَلَ السعي الى إعادة تموضع تركيا في محور مقابل للمحور الأميركي السعودي؟!

يقول البعض بأن دماء خاشقجي لطّخت وجه المملكة ووليّ عهدها، نعم ولكن إلى حين. ذاكرة الغرب الإنسانية ترتبط بالمصالح والمصالح فقط، وورقة خاشقجي ستبقى حاضرة فقط متى تطلّبت مصالح أردوغان وترامب وحزبيهما ذلك.

قُتِلَ جمال خاشقجي هذه المرة وإلى الأبد ... والقَتْل الحقيقي هو للسعودية البديلة التي كان يحلم بها إلى أن يأتي ما يُغيّر وقائع اليوم!