آلاء حسانين

شاعرة مصرية من مواليد 1996. حائزة على جائزة اليونسكو في شعر الفصحى (2015)

عرفنا الحزن

مَن يريد أن يحدّق الناس في جسده حين ينتفخ مثل بالون من شدّة الموت؟ مَن يريد، أيها الآباء الذين يشنقوننا مثل نوارس حزينة.

نحن قتلة قدّيسون
نحن قتلة قدّيسون

عرفنا الحزن لا يجيء واضحاً من دون لثام فوق وجهه ولا مخفياً تحت طبقات شاسعة من الملابس والسماوات والكلام المكدّس. إنما، عرفنا الحزن موارباً يقدم خطوة ويواري خطوة. عرفنا الحزن يتسلّل من قبضات الأيدي المشدودة من القلق، عرفناه يسيل دمعاً جانبياً من العيون التي تحاول بصعوبة أن تقتل الغمش الضبابيّ وتفتح نوافذها لاحتضان النهار. عرفناه يجيء مثقلاً في خطوات تجر جسداً كسيحاً وتتقافز بفرح إضافيّ، فرح مزيّف. عرفناه في الترك، الترك الذي يواري خلفه رغبة في امتلاك أشياء، نعرف مسبقاً، أنها ليست لنا. عرفناه في التخلّي، طائعين متذمّرين، عن أشياء أردنا بشدّة امتلاكها. عن حياة رفعت قرب الماء عن أفواهنا لما التمعت أعيننا، مثل كل البرايا الصالحين وطلبنا السقيا، طلبنا التشفّي من وجع مكدّس.

لسنا سوى خطأ إذن؟ محض خطأ خلّفته آلهة قديمة وآباء كثيرون ينحتون وجوهنا في الطين، يحمّلون أسمال الحزن فوق ظهورنا ويقولون سيروا طائعين نحو النهر وأغرقوا. عرفنا الحزن أصدقاء يحفرون في قلوبنا قبوراً ويدفنون أنفسهم فيها. عرفناه مشانق نتدلّى من أعناقها وقت الغروب مثل نوارس حزينة. نوارس ضائعة ضلّت طريقها وسط البحر، عرفت أن الوصول لما وراء البحار ليس غاية، ليس وطناً هذا الذي نصل في النهاية إليه.

نوارس ظلّت تبحث في عرض البحر عن وطن لا يوجد إلا في المخيّلة، نوارس تمنّت أكثر ما تمنّت حلماً مستمراً. حلم لا يتجسّد على هيئة مراكب تجيء للبعيد، تلوح للنوارس بأذرع بيضاء، مراكب تنبثق من عرض البحر وتقتل أحلام النوارس. ولهذا تدلّى أكبر نورس من خيوط عشّه وأخذ يلمع في عين الشمس. تدلّى قبل أن يشاهد النوارس الصغار الأقل تعباً ترسوا بطمأنينة فوق ظهر السفينة. 
أنتم كثيرون، أنتم كثيرون، أنتم أكثر عدداً ونحن محض جيَف مقتولة لا تهدّئ جوعكم البريّ للحمنا المسموم. نحن، يا أصدقاء قلوبنا محض أرانب برية تستلقي من دون فزع فوق موائدكم، تهبط على ظهور السفن وتحدّق في أعين البنادق. تقبّل أعين الصيادين وتخطف من فوق رؤوسهم القبعات. تحوم بمرح أسود حول الشباك لتبعد الموت برجاء باهت. تقول صيّرني مهرجاً أو ماسح أحذية أو احبسني داخل إطار فوق سريرك، سأصير مثل اللوحات تماماً وببراعة سأتعلّم التوقّف عن الرمش حين تحدّق الأبصار فيّ. صيّرني يراعات واصطدني حين أمر. لكن النهر، ليس النهر ما أريد أن أغرق فيه بأسمال حزن على ظهري. 
تؤلمني المياه، تؤلمني حين أكون فرداً وتؤلمنا حين أكون مثل كل العالمين جماعة. تؤلمنا ويزعجنا سطوع الضوء عبر ظلام المحيط. وتؤلمنا جثثنا حين تتخيّر موضعاً في الظل بين الطحالب والسمك الرقيق وحين ترسو على السطح غير خجلانة من الموت. الموت الذي يجب أن نخبّئه في قلوبنا مثل عار وننزوي. نمكث في عمق البحر لفترات طوال رغم المياه التي تؤلمنا. نسبح خلسة نحو طاحونة قريبة ونصير قمحاً لأفواه أمّهاتنا الذوّاقة. مَن يريد أن يحدّق الناس في جسده حين ينتفخ مثل بالون من شدّة الموت؟ مَن يريد، أيها الآباء الذين يشنقوننا مثل نوارس حزينة، أن يشاهد العيون تحدّق فيه وهو يموت متدلياً من مشنقة، أو من الحياة؟ ليس النهر.. وليست البنادق التي تشير إلى عرينا وسط البحر ووسط سماء مكشوفة. مَن يريد الموت تحت ظلّ سماء مكشوفة؟ 
عرفناه، عرفناه، عرفنا الحزن صبية صغار يحتمون في الظلّ ويرقبون الدنيا تتخمّض فوق حصير من خلف باب موارب. عرفناه وكنا نغطّيه مثل سوءات أجسادنا بادئ الأمر لكن الناس قد جسّدونا حزناً يسير على قدمين. كنا حزانى لكن متسترين، ما استطعنا، بأكف مشقوقة. صرنا، في ما بعد حزانى لكن عُراة، يدوسون فوق أقدامهم من الخجل بداية وفي ما بعد صار عرينا واضحاً ومتباهياً بسوئه وأخذ يظهر فجأة أمام الصبايا الخجولات ويضحك على صراخهن. صار حزننا سواداً يعتّم الدنيا لمّا رجونا ضوءاً خفيفاً، محض ضوء خفيف حُجب أيضاً عن أبصارنا.
نحن قتلة قدّيسون، أردنا الصلاة أكثر ما أردنا، بنينا معابد طينية وسط الخواء وأردنا آلهة نصلّي لها. آلهة لا تعتزل العناية بالعالم حين مجيئنا. أردنا آباء يبتدئون حياتهم تواً ويعمّرون حياتنا. أردنا آباء غير ضجرين من الحياة ولا يرسلون بنيهم للنهر ليغرقوا بأسمال حزن فوق ظهورهم. أردنا، أكثر ما أردنا، إخوة بأكفّ غير مجعّدة وأصدقاء غير جائعين لارتشاف قلوبنا وأمّهات ساذجات لا يقتلن أولادهن من شدّة الوعي وينتحرن. أردنا أرباباً عاديين وأمّهات يمتن على أعتاب الستين أو أثناء الولادة. أمّهات نغفر موتهن. أمهات لا ينبثقن من عدم ولا يتقن إليه. أمّهات يبكين أحزانهن أو يدلقنها شتائم فوق رؤوسنا. أردنا أمّهات لا يتركن خلفهن الأبواب مفتوحة في الليل ويسرن نحو النهر حافيات بأسمال حزن فوق ظهورهن ويغرقن.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك التحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]