مقالات - أحمد فال السباعي

في الموجة الجديدة من الحراك يبدو عدم الثقة واضحاً في لغة الشعارات السياسية، فالزفزافي في ريف المغرب يهاجم "الدكاكين السياسية" وفي الجزائر يدعو المتظاهرون لإسقاط أناركي حاسم للكثير من رموز النخبة السياسية. ومن جهة أخرى تضاءلت ثقة العرب في قضائهم وفي استقلاليّته.

دعمت القوى الكبرى استمرار سلطنات تاريخية كارِهة للمؤسّسات ونافِرة من الديمقراطية، ولم تسمح ببناء ديمقراطيات " المترفين العرب"، بعد أن فشلت ديمقراطيات "المحرومين العرب". تنافست الأحزاب القومية الإشتراكية مع أحزاب الملكيات الليبرالية في ظلّ صراع الحرب الباردة، لكن ظلّ أساس الشرعية واحداً في المعسكرين: "حكم القوّة".

بدأت الثورة بانقلاب عسكري لمجموعة صغيرة من الضباط الرافضين للإستبداد العسكري الفاشي، وللإستعمار البرتغالي لأفريقيا والهند، وللطبقية التي أفقرت المجتمع، لتنطلق بعدها ثورة القرنفل في ربيع لشبونة الشهير. تآلف الشيوعيون والإشتراكيون والقوميون والعسكريون في حربهم ضد الثورة المضادّة التي سُرعان ما أرادت استجماع قواها في مناخ شديد الحماسة والتوتّر.

تتحرّك المنطقة المغاربية في سياقٍ جديدٍ مختلف تماماً عن سياق الربيع العربي الذي دشّنته تونس. في مناخ جيوسياسي جديد عنوانه الصراع الإقتصادي الإستراتيجي بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، وتنامي دور المؤسّسات العسكرية في الواقع السياسي العربي. مشروع "إزدهار إفريقيا" الذي أعلن عنه جون بولتون في مواجهة الصين وروسيا خلَّف نتائج عكسية على الخارطة التقليدية لمناطق النفوذ الغربية الموروثة عن الإستعمار، بمقابل ذلك يتصاعد الدور الجيوستراتيجي لروسيا والصين في المنطقة التي كانت إلى عهدٍ قريبٍ مرتبطة بمناطق النفوذ التي اختطّتها الدول المستعمرة قبل الإستقلال.

تمارس الدوائر الأميركية الإسرائيلية أشكالاً متعدّدة من الضغط على حركة حماس لكي لا تصبح حجر عثرة أمام الصفقة التي يُراد لها أن تحقق حلاً دائماً وغير نهائي للقضية الفلسطينية، وبسبب التصلّب الذي يميّز خطاب المقاومة تجاه قضايا الثوابت تم تحريك عدّة قضايا داخلية وخارجية لتمرير الصفقة.

بعد العشرية السوداء وسيناريوهات الربيع العربي تغيّر وجه الحركة الإسلامية في الجزائر وباتت أكثر ميلاً للسلمية بعد أن جرّبت سوء المنقلب الذي يولّده العنف، لكن في نفس الوقت لازال واقع التشّظي الذي يطبع الحركة في خلافاتها الفكرية والأيديولوجية يمنع من التوحّد حول مشاريع سياسية واضحة.

في عالم الصراع وهيمنة المؤسسات المالية الأخطبوطية وتقلص مفهوم السيادة الوطنية والحرب على الإقتصادات القومية والإشتراكية التي لازالت تتمنع عن ركب النظام الدولي الجديد، أصبح دور القيادة السياسية يتقلص شيئا فشيئا في بعض الدول بينما يتقوى في أخرى. أين هي منطقتنا وسط هذه التحولات؟ وأي نظام قيادي هو الأصلح لها؟

لماذا نجحت التجربة الإيرانية في الوصول إلى السلطة بينما لم يتمكن إسلاميو مصر من المحافظة عليها؟ وهل من مستقبل للمشروع الإسلامي في مصر؟ أين مكامن القوة والضعف في كلتا التجربتين؟.

لا تبدو الحرب اليمنية ولا السورية من قبلها مُشجّعة لقيام ناتو عربي في الأمَد القريب، وهو الحلف الذي يُراد له مواجهة إيران والإرهاب وحماية الثغور الإستراتيجية في المنطقة.

منذ عهد حسن البنا إلى اليوم لا زالت الحركات الإسلامية لم تحدّد بعد أسلوباً واضحاً للوصول إلى السلطة وممارستها، ورغم أن أهم ما حمله الربيع العربي بالنسبة للكثير من هذه الحركات حسمها السياسي لطريق الوصول إلى الحكم عن طريق التدافع السياسي ، فإن المحيط السياسي العربي لا زال غير ناضج بالقدر الكافي لبلورة هذا المسار الديمقراطي.

تعود العلاقات الدولية اليوم إلى احتدام التنافس، الذي ترسّخ في أوروبا منذ تأسيس مجلس أوروبا سنة 1815، بعد مرحلة مخاض عسير أعقبت سقوط الإتحاد السوفياتي وظهور قوى إقليمية ودولية جديدة تبحث لنفسها عن مكانة في عالم موار بالتغيّرات والتحوّلات، ويبحث التقرير من خلال أطروحته "المركزية-الأميركية" عن إستراتجيات السياسة الخارجية في المرحلة المقبلة تجاه الصين وروسيا وباقي دول العالم.

لقد مثّلت انتخابات ما بعد الربيع العربي نفَساً حقيقياً للنظام المغربي الذي احتاج إلى تجديد موارد مشروعيّته في إحدى أحلك اللحظات السياسية التي مرّ بها العالم العربي.

لازال الإسلاميون حائرين في سيرهم السياسي وتشخيصهم للواقع وعلاقته بالمنطلقات الفكرية بين مسارات مُتعدّدة، في ظلّ مناخ الإستقطاب السياسي الحاد وارتباط مسارات الربيع العربي بالعوامل الخارجية الذي سُرعان ما تحوّل النسَق السياسي العربي نحو ثُنائية جديدة لا تزيدها التحوّلات الخارجية والداخلية إلا رسوخاً ووضوحاً.

يُطرح إسلاميو تونس اليوم وهم يمثّلون أحد التيارات الأكثر مرونة مع الحداثة والقِيَم الغربية أمام خيارين أساسيين في التعامل مع مطلب تطبيق الشريعة.

قضية خاشقجي تطرح إسرائيل أمام سؤال إستراتيجي واضح: هل يمكن أن تتم صفقة القرن مع ملكية عسكرية سعودية غير قادرةٍ بوضوحٍ على ضَبْطِ مجالها الحيوي؟ بنيامين نتنياهو قدّم علاقته مع دول الخليج كتتويجٍ لمسارٍ طويلٍ من جهود التطبيع الإقتصادي التي أتت أكلها بعد سنوات من الجهد والتعب، لكنه اليوم يواجه سؤال قدرة هذه الأنظمة نفسها على الاستمرارية؟ بسرعة كبيرة انكشف ضعف النظام السعودي الوراثي بينما تكشّفت في تركيا وإيران عوامل قوية للاستمرار السياسي.

المزيد