مقالات - بثينة شعبان

في زحمة تسارع الأحداث في منطقتنا وتسابق القوى العظمى والصاعدة على حقول النفط والغاز في البرّ والبحر لتأمين مستقبل الطاقة في بلدانها، يصعب على المرء أن يفسّر كثيراً من الظواهر التي تبدو بعيدة عن هذه الأهداف ولا تشترك معها في الشريحة أو الأسلوب أو الطريقة.

الولايات المتحدة التي حاولت منذ نشأتها أن تعيد صياغة العالم عبر الحروب على شعوب العالم كلها، خسرت هذه المرة خسارة كبرى لاعتبارها قد وجهت الضربة القاضية لذاتها كنموذج يحتذى في "الديمقراطية" وصون "حقوق الإنسان"، وغادرت الساحة وضمائر كلّ المهتمين كقوة ونظام يجب الاقتداء به. ولقد أصبح متفقاً عليه أن الحرب على سوريا قد غيرت الواقع الإقليمي والدولي، وذلك من خلال ولادة محوري المقاومة ومكافحة الإرهاب.

لا شك أن إرث الشهداء، كل الشهداء، سيساهم في تعرية الدوائر التي تؤيد الإرهاب وتستخدمه أداة حقيقية لإخضاع إرادة الشعوب في الوقت الذي تدّعي فيه محاربته. وبتكثيف العمل السياسي والإعلامي مع الثبات في المقاومة سينتصر أصحاب الحقوق على الساعين وراء المال والنفوذ ونهب ثروات الشعوب والبلدان تحت مسمّيات زائفة غدت مكشوفة للجميع.     

تذكرنا ليبيا بنهب ثروات الخليج بكلّ دوله حيث يحصد ترامب آلاف مليارات الدولارات من نفطه وثرواته، كما أنه يكمل المهمة التي بدأها أسلافه بنهب نفط العراق والذي يعتبر أكبر احتياطي للنفط والأكثر استدامة أيضاً للسنوات المقبلة. والمعادلة اليوم في العالم العربي تُري الاستهانة بالعرب جميعاً وخلق الفتن والحروب لهم والتنكيل بهم.

إنها معركة المصطلح ومعركة الإعلام الدائرة منذ عقود والمستهدفة أصلاً للحق العربي، والتي تشنها وسائل الإعلام الغربية بالتعاون والتعاضد مع قوى الاحتلال والاستيطان.

الغرب ما زال يستخدم مفهوم "حقوق الإنسان" كأداة من أدوات التدخل في شؤون الدول المناهضة لسياسات النهب الاستعماري بهدف إضعافها والسيطرة على مواردها، أو احتلال موقع جغرافي، أو لنهب النفط، أو لحرمان السكان الأصليين من حقهم في إدارة البلاد، كما حدث مؤخراً في بوليفيا وفنزويلا. 

إن ادعاء الولايات المتحدة حرصها على مسلمي شينجيانغ لا يقابله سوى ادعائها الحرص على مسيحيّي سوريا والعراق ولبنان.

لا اختلاف أبداً في الحاجة إلى الإصلاح والارتقاء في الأداء في جميع بلداننا العربية، ولكن كيف ومتى يمكن أن نصل إلى هذا من دون أن تُختَطَف المشاعر البريئة ويتمّ تسخيرها لزيادة معاناة الجماهير وحرمانها من التوصل إلى قرار وطني مستقل أو المحافظة على بعض الذي تمتلكه منه؟.

يا سيد فيلتمان أعطني بلداً واحداً دخلته الولايات المتحدة بأي صيغة من الصيغ وتَحقّق فيه الازدهار أو الاستقرار أو الحريات أو الديمقراطية؟ من أفغانستان إلى العراق إلى ليبيا إلى أوكرانيا. أين هو البلد الذي دخلته الولايات المتحدة ولم يغرق في الفقر والتخلف والاستبداد؟

كان اعتلاء إيفو موراليس سدة الحكم في بوليفيا وأداؤه المتميز خلال سنوات حكمه شاهداً أكيداً على أنّ كلّ الدعايات والشائعات التي روّج لها المستوطنون الغربيون في دول أميركا الجنوبية والشمالية وأستراليا عن السكان الأصليين لهذه البلدان لا أساس لها من الصحة.

حين زرته في منزله على فطور بيروتي شعرت أنني أمام قامة عربية مسكونة بآلام وآمال الأمة، ومبحرة في شبكة قضاياها المعقدة ببصيرة وبوصلة لا تخطئ الهدف.

لا شك أن ما صرّح به العدو الإسرائيلي عن الحراك في لبنان بأن ما يجري هناك "رائع" ينطبق جداً على تقييمه للحراك في العراق والجزائر، وربما في بلدان أخرى. وهنا نعود إلى ما قاله الرئيس بشار الأسد في مقابلته الأخيرة عن الخونة والذي ينطبق على حالات كثيرة خارج سوريا أيضاً حيث قال: "عندما يكون السوري وطنياً ولا تكون الخيانة مجرد وجهة نظر كخلاف على أي موضوع سياسي سيخرج الأميركي لوحده".. الخيانة ليست مجرد وجهة نظر والتاريخ العربي مليء بالكوارث التي سببتها الخيانة، فمتى نركز على تحصين البلدان لوضع حدّ للاختراق غير النظيف؟.

يتساءل كثيرون عن مصادر التمويل والإنفاق التي تُبقي الناس في الساحات من دون أن يقلقوا على خدمات أو طعام أو مواصلات. وتزداد الشبهة بعد أن فشلت المحاولات، إلى حدّ الآن، في إظهار القيادات التي تقود هذا الحراك رغم الدعوات إلى الحوار ومناقشة المطالب التي خرج المتظاهرون من أجلها أصلا.

الحلّ اليوم الذي لا بدّ منه في وطننا العربي على وجه الخصوص بمختلف أقطاره هو أن نعيد التفكير ملياً في أسلوب وأدوات عملنا، وفي النتائج التي أفضى إليها هذا الأسلوب وهذه الأدوات، وأن نسال بكل جرأة وصدقية: هل نحن على الطريق الصحيح، أم هناك الكثير من المفاهيم والأساليب التي تحتاج إلى تنقية حقيقية وتغيير وجهة؟

العدوان التركي الموصوف على الأراضي السورية هو دلالة الاستهانة بالعرب والعروبة، وبحاضر العرب ومستقبلهم وأدوات عملهم وطرائق التعامل بين بعضهم البعض.

المزيد