مقالات - ليلى نقولا

بشكلٍ عام، يتعامل الغرب مع القضايا العربية بعقليّة "الرجل الأبيض"، أي أنه يستطيع أن يقرّر نيابة عن الشعوب، ويدرك مصلحتها أكثر مما تعرفها هي، وهو بالضبط ما جعل الأميركيين يحوّلون العراق إلى دولة فاشلة بعد السيطرة عليها عام 2003.

عانى السوريون من الحرب الدائرة في وطنهم ما لم يُعانه شعب من الشعوب، فبالإضافة إلى الدمار والقتل والفظائع التي حلّت بهم، وانخراط 86 دولة عسكرياً على أرضهم، تشرّدوا في بقاع الأرض ونزحوا داخلياً وإلى دول الجوار وأوروبا، وقضى منهم مَن قضى في البحر المتوسّط غرقاً أو إغراقاً. وكأن كل ما حصل لم يكفِ، فتظهر اليوم على السطح وبعد مؤتمر بروكسل 2، قضية استغلال المأساة السورية سياسياً، وهي ككل القضايا المُشابهة حيث تتداخل قضايا النزوح والتهجير الإنسانية بشكل عام مع القضايا السياسية في أية قضية تهجير سكاني ونزوح قسري بسبب الحروب، سواء كان التهجير داخلياً أو إلى خارج البلد المعني.

إن إشارة المصدر العسكري الروسي إلى تحضير مسرح العمليات لفبركة جديدة لمسرحية الكيماوي، في الأقاليم الجنوبية بالتزامن مع هجوم المسلحين على قوات الجيش السوري لطردها وتحقيق حُكم انفصالي في تلك الأقاليم، يعني أن العدوان الثلاثي السابق مع التهديدات الحالية إنما هو رسالة عسكرية واضحة لدمشق وحلفائها بأن هناك خطوطاً حمراء جديدة ترسمها واشنطن وتل أبيب، تهدف إلى منع الجيش السوري من التوجّه إلى الحدود السورية الأردنية لتحريرها.

قد تكون الضربة الثلاثية استهدفت مواقع بحثية سوريّة، ولكنها على ما يبدو، رسالة عسكرية ذات أهداف سياسية موجّهة إلى الروس بالدرجة الأولى، وإلى الضامنين بالدرجة الثانية، من أن الحل السياسي لن يمر في سوريا من دون الأخذ بعين الاعتبار مصالح الغربيين، وإن أي تفكير بغير ذلك سيدفع ثمنه العالم أجمع.

هي في الظاهر حرب تجارية يقول ترامب إنها تهدف إلى حمايةِ السوقِ الأميركي وخلق فُرَص عمل للأميركيين، ولكنها في الواقع، حرب عسكرية تكنولوجية تهدف إلى منع الصين، أو على الأقل، تأخيرها من التفوّق التكنولوجي في المجال العسكري، والذي سينعكس سلباً على القوّة الصلبة الأميركية وأهميتها في عالمِ اليوم، وهو ما سيدفع الأميركيين إلى استثمارِ مزيدٍ من الأموالٍ الحكوميةِ في سباقِ تسلّحٍ مُزدوجٍ: مع روسيا ومع الصين.

دبلوماسياً، وكإجراء سياسي، يحقّ لبريطانيا وسواها وبموجب اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية (18 نيسان 1961) أن تطرد مَن تشاء من البعثات الدبلوماسية العامِلة على أرضها، وأن تعتبر أي دبلوماسي "شخصاً غير مرغوب فيه" personae non gratae ، وذلك استناداً إلى المادة 9 من الاتفاقية، والتي تنصّ "للدولة المُعتمَد لديها في أي وقت ومن دون ذِكر الأسباب أن تبلغ الدولة المعتمدة أن رئيس أو أيّ عضو من طاقم بعثتها الدبلوماسية أصبح شخصاً غير مقبول أو أن أي عضو من طاقم بعثتها (من غير الدبلوماسيين) أصبح غير مرغوب فيه".

تعيين بولتون وسواه من الصقور لا يجب أن يدفع إلى القلق، فإما أن ترامب يسير على خُطى جورج بوش الإبن في قيادة أميركا نحو الانحدار، وإما أن كل تلك التعيينات لن تؤدّي إلى أيّ تعديل في السياسة الخارجية الأميركية لأن مركز صناعة القرار هو في مكان آخر غير إدارة ترامب وصقوره.

في العهد البوتيني الثاني، وبعد ترسيخ أسُس الاقتصاد والدفاع، انطلق بوتين إلى استراتيجية العودة إلى العالمية، مستفيداً من التطوّرات السورية والأوكرانية، فانخرط الروس في معارك ضد الغرب عسكرياً (حروب الوكلاء) وسياسياً ودبلوماسياً من دون مواربة وبلا خجل.

الادّعاء أن الدافع للقتل والترويع هو مجرّد القتل فيبدو أمراً تبسيطياً، فإرهابيو القرن الحادي والعشرين يهدفون من خلال المجازر ونشر صوَر وفيديوهات القتل والاغتصاب والسبي، تهجير السكان وإشاعة الصدمة والترويع لإدخالهم في مرحلة "الانهيار الإدراكي" الذي يدفع السكان إلى عدم المقاومة والفرار للسيطرة على الأرض من دون قتال، وهو بالضبط ما فعلته العصابات الصهيونية في القرى الفلسطينية حيث كانت أخبار القتل والحرق والتدمير تسبق الإرهابيين إلى القرى والبلدات، لدفعهم إلى النزوح الجماعي والفرار من أمام آلة القتل الصهيونية القادمة.

المُراقِب للأوضاع في الشمال السوري، يُلفته مشروعان يُهدّدان وحدة اقليم الدولة السورية وسيادتها، وهما المشروع الكردي المدعوم من الولايات المتحدة الأميركية، والمشروع التركي الذي يستخدم الذرائع المتعدّدة للتوغّل عسكرياً في الأراضي السورية، ومن المهم لفت النظر إلى أن كلاً من المشروعين، يعتمد على إسنادات تاريخية للقول بأحقيّة المشروع في قضْمِ الأراضي السورية لتنفيذ مشروعه فيها.

يبدو أن كلاً من إسرائيل وتركيا تحاولان أن تأخذا عبر "البلطجة" ما لا تقدران على تحصيله من خلال القانون الدولي، بالتالي على الدول المُتضرّرة كقبرص ومصر ولبنان، أن ترفع شكواها للأمم المتحدة لحلّه عبر القانون، وإن لم تستطع فليس أمامها إلا استعراض القوّة لردع دول لا تفهم سوى لغة القوّة.

المؤسِف أن بعض الأصوات اللبنانية ارتفعت مُطالبةً الدولة بالانصياع للضغوط الأميركية بالتخلّي عن جزء من حقوقها بذريعة الحفاظ على التعاطُف الدولي، وتمهيداً للمؤتمر الدولي للاستثمار في لبنان الذي من المُزمَع عقده في روما. إن وجهة النظر هذه والتي لطالما اعتمدت مقولة "قوّة لبنان في ضعفه"، إنما تسير عكس كل العِلم والمنطق والتجارب الدولية.

الوظيفة والدور اللذان حدّدتهما إسرائيل لنفسها كموقع مُتقدّم للجبهة الغربية في حربها واستعمارها للمنطقة، فقد أتت التطوّرات التي حصلت منذ مجيء الأميركيين عسكرياً إلى المنطقة واحتلال العراق، وبعدها انخراط الأميركيين العسكري في سوريا، لتكشف أن إسرائيل لم تعد قادرة على الاضطلاع بالوظيفة وبالدور المنوطين بها وأهمها أن تكون "شرطي المنطقة"، أو "العصا" التي يتم التهديد بها كلما تجرّأ أحد على تحدّي "قواعد اللعبة الأميركية" في المنطقة.

القوّة الناعمة المُستنِدة الى "القِيَم الأميركية" حول الديمقراطية وحقوق الإنسان وحُكم القانون، باتت موضع تساؤل وشكّ، وإن الصراع السياسي في أميركا بات يشكّل خطراً على تلك القِيَم بشكل عام وعلى صورة الولايات المتحدة في العالم.

الاستنتاج العام حول سلوك القوى الدولية في الإطار الاقليمي، أن الأميركيين سيحاولون التفرّد بالنفوذ في المناطق الاقليمية حين يستطيعون، ولكن في حال العجز، فإنهم قد يقبلون بشراكات النفوذ مع قوى اقليمية بحكم الأمر الواقع، مع الاستمرار في محاولة منع أية قوّة دولية من مشاركتهم النفوذ في المناطق الاقليمية الحيوية في العالم، وهكذا نفهم التركيز على الخطرين الصيني والروسي في استراتيجية الأمن القومي الأميركية التي أعلنها ترامب.