مقالات - نور الدين أبو لحية

من التهم الباطلة التي يوجّهها الإعلام المغرض للنظام السوري كونه سبب تلك الأمواج البشرية التي تخرج من مدنها وقراها السورية، لتتوجّه إلى مناطق كثيرة من العالم ابتداء من الدول العربية، وانتهاء بالدول الأوروبية وغيرها من دول العالم. وهو يتفنّن في تصوير مظلومية تلك الأمواج، موجّهاً أصابع الاتهام دائماً إلى الدولة السورية ومؤسّساتها، وخصوصاً جيشها.. وكأنه هو الذي قام بطرد أولئك المواطنين من غير محاكمة، ولا أية إجراءات قانونية أو أخلاقية.

لم نر علماء سوريا الرسميين يدعون إلى الجهاد في أفغانستان أو الشيشان أو الصومال، بل لم يُستثمروا من طرف الجهات الرسمية إلا في الدعوة للجهاد في فلسطين، وخاصة إبان الحروب التي جرت بين سوريا والكيان الصهيوني، وما أكثرها.

إن أي عاقل ينظر إلى النظام السوري، وكيف أدار المحنة التي ألمت به منذ سنوات طويلة، يمتلئ بالعَجَب، خاصة إذا قارناه بتلك الأنظمة الهشّة التي تسقط سقوطاً حراً بمجرد حوادث بسيطة، أو تنقلب رأساً على عقب عن كل ما كانت تؤمن به أو تمارسه. على عكس النظام السوري، الذي مهما اختلفنا معه، فلن نختلف أبداً في كونه نظاماً متماسكاً محكماً قوياً، لدرجة أن كل قوى الشر اجتمعت عليه، ولم يتأثر، ولم يتزحزح عن مبادئه قيد أنملة، بخلاف خصومه من المعارضة أو من الدول التي تموّنها، والذين يغيّرون آراءهم كل حين.

أرجو ألا تذكرو لي أيضاً ما يسمّونه بتصدير الثورة، فأنتم تعلمون أن العالم مفتوح، وأن كل ثورة ناجحة تصدر، رضيَ أصحاب الثورة أو لم يرضوا.. فثورة تشي غيفارا صدرت ولا تزال تصدر.. وثورة تونس وحَرْق البوعزيزي نفسه صدر.. وصار الكل يحرقون أنفسهم.. ولذلك لا داعي لهذا الوصف، واتهام إيران به.. فهي لم تفعل سوى أن خرجت من عباءة الشاه الذي كان عبداً لأميركا، وكان لذلك تأثيره الكبير في الشعوب التي لا تزال تخضع لعبوديّة الشاهنشاهات.

هذا سؤال وجيه يحتاج كل عاقل للإجابة الهادئة والعقلانية عليه، ليخرج من تلك السطحية والبساطة التي يُجيب بها الكثير من الإسلاميين الذين ركبوا موجة هذه الثورات، والذين يختصرون الجواب عليه في الشمّاعة التي تعودوا أن ينسبوا كل فشلهم إليها، وهي الطُغاة والمُستبدّين والظلَمة.

أبادر الذين يستاؤون من أمثال هذه العبارات، ويتصوّرون أنني أتحامل على مَن يسمّون أنفسهم "إسلاميين" أو "حركيين" أو "إخوان مسلمين"، بأنني لست مُتحاملاً، ولا حاقداً، ولا أحمل لهم في تلك العبارة أو غيرها من العبارات إلا كل معاني الرحمة والمودّة واللطف والنصيحة.. وأني لا أفعل معهم سوى دور ذلك الطبيب الذي يصف الحال، ويشخّصها، ليستعمل المريض بعدها ما يُعيد به إلى نفسه الصحة، فهل يكون الطبيب ناصحاً إن كذب على مريضه، وكتم عنه مرضه، وأخبره أنه بصحّة جيّدة؟

المستقبَل الوحيد المدبَّر لسوريا هو نفسه المستقبل الوحيد المدبَّر لليبيا ولغيرها من بلاد العالم الإسلامي، وهو ما عبَّر عنه بوضوح وعلى الملأ وليّ العهد السعودي عندما قال عن إيران "سننقل الحرب إلى داخل إيران"، فهؤلاء ليس لهم من دور سوى إشعال الفِتَن، لتتحّول جميع الدول العربية والإسلامية إلى عبس وذبيان، وتقوم الحروب الجاهلية بينها لتتحوّل إسرائيل مع حلفائها العرب إلى أقوى دول المنطقة.

إن كل ممارسة مهما كانت بسيطة ضدّ إسرائيل ومشاريعها تشكّل نوعاً من أنواع المقاومة، سواء كانت مسيرة أو مقالاً أو خطبة أو صورة توضع على وسائل التواصل الاجتماعي.. وغير ذلك .. كل ذلك يُعتبر نوعاً من أنواع المقاومة.

الأصل في الدور الذي يقوم به العلماء عندما تعصِف عواصف الفِتَن بمجتمعاتهم وبلادهم أن يقفوا موقف الحُكماء الذين يشخّصون أسباب الفِتَن، ليضعوا الحلول المناسبة لعلاجها.. وهي حلول ممتلئة بالحكمة والسلام.. تراعي الإنسان، وتراعي معه الأوطان..

من الظواهر المتّفق عليها، والتي لا تحتاج إلى أدلّة تثبتها وتبرهن عليها ظاهرة الاستهانة بالقتل.. فقد أصبح شيئاً سهلاً هيناً، وصارت أخباره كسائر الأخبار لا تحدث في النفس ذلك الهلع والألم والحزن الذي كانت تحدثه إبّان كان الإنسان على الفطرة التي خلقه الله عليها.

في الداخل العربي اشتهر قبل فترة قصيرة شريط مُسجّل للحويني على اليوتيوب يذكر فيه أن أهم أسباب الحال الاقتصادية السيّئة للمسلمين هو أنهم لا يغزون ليسلبوا و ينهبوا خيرات الشعوب.. ودعا فيه إلى العودة لنظام الرقّ والاستعباد، واتّخاذ الجوارى والسبايا، باعتباره حلاً للمشاكل الاقتصادية ودواء للفقر.. بل إنه ذكر أن مَن يهاجمون هذا الطرح يستحقّون القتال، ليلاقوا نفس مصير من يتم أسره بعد الغزوات، قائلاً: (والذي يرفض هذه الدعوة نُقاتله، ونأخذه أسيراً، ونأخذ أمواله ونساءه.. وكل ذلك عبارة عن فلوس).

المزيد