محمد سلام

كاتب عراقي

تظاهُرات العراق.. مَن المُستفيد من الفوضى؟

في العراق مشاكل كثيرة ومُتجذّرة، ولا أحد له الحق في إلقاء اللوم على الفقراء عندما يطالبون بحقوقهم، لكن الخوف من استغلال الفقراء لتحقيق أهداف سياسية خبيثة تُخطّط لها عواصم تتربَّص لجعل العراق ساحة لها لتصفية حساباتها.

تظاهُرات العراق.. مَن المُستفيد من الفوضى؟
تظاهُرات العراق.. مَن المُستفيد من الفوضى؟

منذ أيام وبغداد تشهد إضافة إلى محافظات الوسط والجنوب، تظاهُرات واسعة ظاهِرها مطلبي لتحسين أوضاع الفقراء والعاطلين عن العمل، أما مُحرّكها فغير ظاهِر. لا قيادة واضِحة إلى اللحظة تتصدَّر المشهد، الذي تصاعَد وتأزَّم بشكلٍ يُدلّل بما لا يقبل الشك، أن أطرافاً خبيثة في الداخل والخارج تعمل على تصعيده.
التظاهُرات هذه لم تكن الأولى، بل تكاد تكون في كل عام في مثل هذا التوقيت من السنة، حيث يخرج العراقيون في ساحة التحرير في بغداد، والساحات العامة في المحافظات العراقية الأخرى للمُطالبة بتحسين أوضاعهم المعيشية، لكن تظاهُرات هذا العام أخذت طابعاً مختلفاً، ويبدو أن أطرافاً خارجية بدت مُرتاحة لما وصلت إليه الأوضاع بين المُتظاهرين والقوات الأمنية خصوصاً بعدما أُرِيقَت الدماء من الجانبين في مشهدٍ قفز إلى الواجهة مُجدَّداً.
في العراق مشاكل كثيرة ومُتجذّرة، ولا أحد له الحق في إلقاء اللوم على الفقراء عندما يطالبون بحقوقهم، لكن الخوف من استغلال الفقراء لتحقيق أهداف سياسية خبيثة تُخطّط لها عواصم تتربَّص لجعل العراق ساحة لها لتصفية حساباتها، وهذا ما أشار إليه رئيس مجلس الوزراء عادل عبد المهدي في خطابه الأخير.
ولأن الأوضاع في العراق تزداد توتّراً، فلا بدّ من الحديث بمُنتهى المسؤولية بخصوص ما يجري. الشعارات التي رُفِعَت في التظاهُرات لا تُطالب ببناء المدارس والإهتمام بالتعليم والصحة ومُلاحقة الفاسدين، مثل ما كانت في كل عام وهذه أهداف مُحقّة ومشروعة وواضحة، بل ويجب على الجهات الحكومية المعنية تلبية كل مُتطلّبات العراقيين من دون أيّ تقصير، ولكن تظاهُرات هذا العام دخلت من بوابة الفقر والفساد في مشهدٍ ضبابي، من دون لائحة واضحة وقيادة شعبية لتظيمها، وما يُثير القلق هنا، هو الشعارات التي أخذت طريقاً آخر غير المُطالبات الخدمية، وراحت ترمي مصائب العراق مُجتمعة على إيران واتّهامها بأنها وراء تدهور أوضاعهم.
الأمر وصل إلى حد إحراق العَلَم الإيراني وهذا للدّفع بإتجاه إثارة الكراهية بين شعبين وحكومتين مُتجاوِرتين، وراحت الصيحات تتعالى، إن (الشعب يُريد إسقاط النظام)، فشعار (الشعب يُريد إصلاح النظام)، في الحال العراقية يُعدّ مطلباً مُلحّاً لتجاوز المشاكل الخدمية والأمنية، لكن الشعار الأخطر (إسقاط النظام)، هذا دليل على مشروعٍ مدعومٍ من الخارج والداخل، ويتّخذ من مطالب المواطنين غطاء لتحقيق أهداف أخرى تتمثّل بإسقاط النظام في بغداد وإستبداله بآخر، ربما يكون ودوداً مع أطرافٍ في المنطقة مثل "إسرائيل" وظلاً لدول من أميركا والسعودية، ما يُعزِّز هذه الفكرة هو الشعارات التي لا علاقة لها بالخَدَمات بل لإحداث فجوة كبيرة بين بغداد وطهران، وهنا إن كانت مصلحة فليس من مصلحة إلا لـ"إسرائيل" وأميركا والسعودية، بينما مصلحة الشعب العراقي تكمُن في علاقات حُسن جوار مع السعودية وإيران وليس استعداء طرف على حساب آخر.
ازداد الأمر تعقيداً عندما واجهت القوات الأمنية قنّاصة مجهولين استهدفوها واستهدفوا المُتظاهرين في آنٍ واحد، وبعد إراقة الدماء حاولت القوات تشتيت التظاهُرات بالوسائل المُتاحة للحفاظ على سلامة الجميع وُملاحقة المُخرِّبين، وما يُدلِّل على وجود قوى خارجية بمُساعدةٍ داخليةٍ تريد إحداث فوضى عارِمة في البلاد هي المجموعة التي حاولت الدخول إلى المدينة القديمة في محافظة النجف لضرب المرجعية الدينية، وهذا ما أعلنت عنه حكومة المدينة المحلية، والمُسلّحون المجهولون الذي استهدفوا قوات مُكافحة الشغب في البصرة من خلال القنص.
وهنا ربما انكشف جزء من المؤامرة، السفارة الأميركية في بغداد أصدرت بياناً علَّقت فيه على ما جرى في شوارع بغداد وانتقدت ما أسمته "استخدام العُنف المُفرط ضدّ المُتظاهرين السلميين"، وهذا البيان فُسّر من قِبَل بعض الأطراف السياسية العراقية على أنه تحريض ضدّ أجهزة الدولة، لأنه يحمل في طيَّاته إدانة لقوات الأمن بقتل مواطنين عُزَّل، بينما الأمر بحاجةٍ إلى تحقيقٍ مُعمَّقٍ لمعرفة الجهة التي أطلقت الرصاص الحيّ، ولا يمكن الحُكم بهذه السرعة على اعتبار أن الشهداء كانوا من المُتظاهرين والقوات الأمنية.
بالإضافة إلى ذلك هو الدَعم السعودي الإماراتي من خلال مواقع المُغرِّدين المعروفة والمُتابعة، حيث تناولوا تغريدات تُدين القوات العراقية وتتّهمها بقَمْعِ التظاهُرات وإطلاق النار على المُتظاهرين، وقدَّموا بذلك صورة تُجسِّد إنتهاكات صارِخة لحقوق الإنسان مارستها القوات الأمنية وهي غير واقعية، بالإضافة إلى توجيه سَيْلٍ من الإتّهامات بالخيانة للحكومة وفصائل عراقية تابعة للحشد الشعبي.
كما لعبت بعض القنوات التلفزيونية العربية والعراقية التي تتلقَّى دعماً خارجياً وتبثّ من خارج البلاد، دوراً في تأجيج الأوضاع والتحريض على الحكومة.
وما يُدلَّل على أن مشروعاً خبيثاً وخارجياً اخترق التظاهُرات المطلبية وحَرَفها عن مسارها، هو الحَرْق لمؤسَّسات الدولة في محافظتيّ ذي قار والنجف ومناطق أخرى من البلاد، لأن ذلك يُبِعد فكرة التظاهُرات المُطالِبة بالخدمات.
المرجعية الدينية في النجف، دعت الإجهزة الحكومية إلى حلّ مشاكل المواطنين المُتراكِمة ودعت الجميع إلى الحفاظ على الأرواح والممتلكات، كما دعت البرلمان العراقي إلى تحمّل المسؤولية في إيجاد تسهيلات قانونية للحكومة للمُضيّ في تشريعاتٍ تؤمّن الخدمة للشعب، لكن ذلك قوبِلَ بتعليق بعض الجهات السياسية عملها في البرلمان في محاولة اتُهمت من خلالها بأنها تسعى إلى إغراق البلاد بالفوضى.
وما يُثيرالتساؤل أيضاً، هو المعلومة التي قالها رئيس الوزراء عادل عبد المهدي قبل يوم واحد من التظاهُرات، عندما علَّق على سؤالٍ في حوارٍ تلفزيوني وقال، إن أموراً تجري غير مسموح بها وأكَّد، (أن ضباطاً يزورون السفارات من دون موافقات رسمية)، هذا الكلام يفتح باباً آخر للسؤال..
هل أجهضت بغداد مُخطّطاً خفيّاً لتغيير الحُكم فيها قُبيل انطلاقه؟
وإذا كان الجواب نعم وفقاً للتأكيد الذي جاء على لسان مُقرَّبين من حكومة السيّد عبد المهدي، وأن هذا المُخطَّط الإنقلابي منذ ما يُقارِب ثلاثة أشهر يتمّ التجهيز له، فهل الأطراف الخارجية التي خطَّطت وفشلت، هي مَن حرَّكت بعض جمهورها واستغلَّت حاجة الشعب ولجأت إلى الخطة (ب) ربما، وتتجسَّد بإسقاط النظام عن طريق التظاهُرات واتّهامه بالعَمَالة والتبعيّة.
يكاد يكون كل مواطن عراقي خرج لتحسين أوضاع بلده نحو الأفضل وطالب بذلك من خلال التظاهُر، هي قصّة مأساوية تستحق التوقّف عندها واحترامها، ودرساً في الوطنية ينبغي التعلّم منه، لكن من خلال ما هو بات واضحاً، ليس كل مَن خرجَ كان للمطالبة بالخدمات وإصلاح العملية السياسية، بل راح البعض إلى التخريب وإسقاطها واتّهام إيران من دون غيرها.
وفي ما يخصّ توجيه الاتهام فقط إلى إيران، هذا أيضاً دليل آخر على أن المُستفيد مما يحدث هو أميركا و"إسرائيل" والسعودية. الأولى هي مَن أوصلت العراق إلى الحافّة وضربت عُمقه الإقتصادي والعسكري والسياسي من خلال الإحتلال عام 2003، وما قبله وما بعده، الثانية "إسرائيل" لها مصلحة بإسقاط النظام في بغداد والإتيان بآخر يُحقِّق لها مصلحة إستراتيجية في إنهاء وجود الحشد الشعبي وإخراج العراق من دول محور المقاومة ، خصوصاً وأن بلاد الرافدين تملك مواقعاً إستراتيجياً ويُعدّ شريان التواصُل بين دول المحور.
الثالثة (السعودية)، وهي تحاول منذ فترات طويلة من خلال إعلامها وتحالفاتها أن تتملّص من كل الإتهامات لها وتعزِّز فكرة (إيران فوبيا)، وتقدِّم دائماً إيران على أنها المسؤولة عن دمار العراق خصوصاً ودول المنطقة عموماً، وهذا التوجّه السعودي يُجانِب الواقع الذي ثبت بالدلائل، فالسعودية لها رصيد كبير في عدد الإنتحاريين الذين فجَّروا أنفسهم في العراق وبعدد الفتاوى التي تُحرِّض على قتل طائفة كبيرة من العراقيين والقوات الأمنية، وذلك من خلال جماعات إرهابية مثل القاعدة وداعش.
وهذه الفكرة ليست غائِبة عن عقول الكثير من العراقيين، لكن في التظاهُرات لم تنقل إلا فكرة السعودية وهي شعار(إيران برَّه برَّه.. بغداد تبقى حرَّة)، ولم يُسأ إلا لعَلَم إيران وهذا محل تعجّب.. وللتأكيد بذات الوقت على أن أطرافاً خارجية مُستفيدة، ولو سلَّمنا جَدَلاً، أن النظام العراقي الحالي بمقاساتٍ إيرانية وهذه الفكرة تُجافي الواقع وتحتاج إلى الكثير من الدلائل والإثباتات، فماذا لو نجحت الرياض بإسقاطه هل يتوقَّع العراقيون أن أيّ نظام جديد سيكون بعيداً عن التبعيّة إلى واشنطن أو الرياض وحتى "إسرائيل"، ولنا في ما يُعرَف بالربيع العربي خير دليل، فالدماء والإنطلاق لتحقيق مصالح الخارج على حساب الداخل تكون نهايته من سيّىء إلى أسوأ.