حسن شرف الدين

كاتب من لبنان

إلى المعلّم الذي أجاب على عذر اكتئابي بـ"كلنا لدينا مشكلات"

مررت بـ"غيبوبة" لمدة أربعة أيام، مكثت في سريري ولم أتحرك إلى أي جهة ولم أرَ شيئاً سوى النار تُشعل سجائري. فجأة استيقظت كأن منبّهاً أصابه هلع أمامي، قمت وصليت بشكل جميل.

طوال هذه السنوات في شيراز، حيث أقيم، في اللحظات الصعبة، وفي الأوقات الجيّدة - على ندرتها، أستطيع أن أعرّف مكاناً واحداً في هذه المدينة بأنه ملجأي، المكان الذي أعبئ فيه كل هذا البؤس وأخرج منه مرتاحاً وتكتسب روحي شيئاً جديداً، فتصير كل زيارة إليه وكأنها رحلة روحية خاصة جداً، هو ضريح شاه جِراغ (بالفارسية: شاه‌ چراغ)، أو السيد أحمد ابن الإمام موسى الكاظم وشقيق الإمام علي الرضا.

مكان فيه أحد موجود لأجلك، حتى ولو خلا من أي زائر، هو أحمد بن موسى الكاظم. السيّد الذي لازم حياتي في الغربة. شخص تتحدث إليه، تقيم صلواتك بالقرب منه، فتشعر بإنصاته إليك، ويغدو ضريحه كمحطة تقلّك مباشرة إلى الله. 

أشعر بالولادة المتجددة هناك. لست متديّناً بالمعنى المتعارف ولست ملحداً، فأنا أؤمن فقط. أنا لست راهبًا ولا قديسًا، أحاول فقط الوصول إلى الله والحصول على أفضل النتائج. أعلم ذلك كله، وأنني ما زلت في حالة من الفوضى، لكني أحاول التغيير بطريقة أو بأخرى.

في بعض الأحيان يكون من الصعب مواكبة حوادث التغييرات الحاصلة في رأسي، كما هو الحال الآن. مررت بـ"غيبوبة" لمدة أربعة أيام، مكثت في سريري ولم أتحرك إلى أي جهة ولم أرَ شيئاً سوى النار تُشعل سجائري. فجأة استيقظت، كأن منبّهاً أصابه هلع أمامي، قمت وصليت بشكل جميل، وأديت كل الصوات التي فاتتني طوال الأيام الأربعة. شيء ما في داخلي كان يخبرني بأنني فقدت اتصالي بالرب، لم تستسغ روحي ذلك، فنهضت على قدميّ، أديت صلواتي وهرعت إلى ملجأي، شاه شيراغ، مقام السيّد أحمد بن موسى الكاظم. لا أعلم ما إذا كان أي شخص سيصدقني، لكن هذا الرجل كان ينقذ حياتي في كل مرّة، أنا مدين له بعد الله بأن الأمور كانت تنتهي دوماَ بشكل جيد، ولم تؤل للانتحار.

ما أردت قوله هو أنه يمكنك أن تصاب بأمراض عقلية، في وقت لا تزال فيه قادراً على الإيمان والمضي قدماً والعمل والدراسة. لكن في بعض الأحيان قد يكون هذا أمرًا سيئًا حقًا، وسيجعل من الأشخاص المحيطين بك أكثر شراً. كنت مرة أتحدث مع أستاذي في الجامعة، لم يكن الوقت مناسبًا جدًا بالنسبة إلي، في ما خص الدراسة وحضور الصفوف. وما كان على أستاذي معرفته أني بالكاد وصلت إلى هذا الفصل بمرافقة كل أفكاري السلبية. حاولت أن أشرح له وضعي وحالتي، فأجابني بأنه "كلنا لدينا مشكلات"، هل حقاً أيها المعلم المتأنق؟ هذا الرجل قد حصل فعلاً على درجة الدكتوراه في الهندسة الكيميائية، لكنه لم يحصل على درجة الدكتوراه في الإنسانية، أو فقط.. أن يكون إنسانيًا. أعني إذا كانت كل مخاوف الأستاذ هي درجات وعلامات ومشاريع، فكيف ستنجو الإنسانية؟ وما الذي يعطي الدكتوراه أهميتها؟

أنا لا أملك شهادته، لكنني أؤمن بالإنسانية أكثر من أي شيء آخر، أؤمن بالأشياء الجيدة التي تترك أثراً، وتغير في حياة الآخرين، لتجعل منهم أناساً أقوياء يواجهون يومياتهم وحياتهم بلا عناء كبير.

يحزنني عندما أرى المتسولين ويحزنني أكثر أن أُعامل معاملة سيئة لمجرد أنني أجنبي. لا أريد أن أتحدث عن دين محدد، ففي جميع الأديان، الروح والإنسانية مقدستان، ولا أريد التحدث عن الثقافات أو الأعراق، فلا عرق ولا إنسان يتفوق على أخيه الإنسان سوى بدرجة إتيانه للخير.

لماذا هذا التساوي البشري صعب لهذه الغاية؟ لماذا أتعرض لأسئلة ونصائح تُشعرني بأني أقل قيمة وبأن السائل أو الناصح يقدم نفسه كالفضيلة والمخلص؟ ويصنفني في بعض الأحيان بصور نمطية، أو يضعني أمام نتيجة متساوية مع الجميع، كما تلك التي عرضها الأستاذ أمامي، بأن "كلنا لدينا مشكلات". أشياء كثيرة مما تقال لي أعرفها سلفاً، ولا أطلب شيئاً جديداً لأعرفه بل بعض التفهّم!

أنا في الرابعة والعشرين من عمري، ولكني رأيت الكثير واكتسبت الكثير من الحكمة. لقد كانت لدي تجارب جيدة سواء في مجال دراستي أو خارجها، أحب الهندسة الكيميائية والشعر والكتابة والموسيقى والترجمة. أفعل أشياء كثيرة فقط من أجل الفرح الذي توفره لي. أفعل أي شيء قد يجمّل إنسانيّتي.. أنا لست من أشد المعجبين بنفسي، ولست أشيد بها، بل إنني عكس ذلك غالباً، أقارع نفسي بأفكاري السلبية، لكنني أحب أن أذكّر نفسي دوماً بما لديّ، ليكون لدي دافع أبديّ لأنهض.

لم أتخرج بعد بسبب الظروف الصعبة التي لم يتفهمها أساتذتي، لكن يوماً ما قد أحصل على شهادتي الهندسية وقد أؤسس مشروعًا، وأؤلف كتابًا أيضًا، وأدرس المزيد والمزيد من التخصصات الأخرى، والمزيد من اللغات. أنا إيجابي في هذا الشأن. أكثر من التقييمات التي يقدمها إليّ الآخرون والتي لا تهمني.

أغلب الناس يذهلون من أي شيء، يبقون في حالة ذهول دائم، وليس لديهم أي شيء آخر يقومون به، عوضاً أن يغيروا، أن يتعرفوا، أن يتفهموا، وأن يتثقفوا، لتكون الإنسانية في مسارات أفضل من ذلك بكثير.