محمّد لواتي

رئيس تحرير يومية المُستقبل المغاربي

الطائفية لا دين لها والواقفون خلفها أسوأ منها

العامِل الأول يصنع الواقع من جديد وفق منظور المستقبل، والعامل الثاني يتخلَّى عن وجوده لمبدأ النضال من أجل أن تُحرَق الرمال والرمال لا تحترق.

هناك فرق بين من يؤمن من منطق البناء الواقعي وبين من يشعل شموع الأوهام ويظن أنه قادر مقتدر على تصريف الفكرة الغامضة التي يحاول رسمها على جبين الأرض
هناك فرق بين من يؤمن من منطق البناء الواقعي وبين من يشعل شموع الأوهام ويظن أنه قادر مقتدر على تصريف الفكرة الغامضة التي يحاول رسمها على جبين الأرض

في مقالٍ سابقٍ أكَّدنا على بُعد الاجترار السياسي (في الجزائر) كأداةِ فعلٍ مبدئي لمفهوم التجزيئية. مفهوم في الأساس مشدود ليس بالشدّ التاريخي بل بالمعيار الافتراضي لخطأ سابقٍ يبدو للبعض حقائق تنسج على منوالها جغرافيا جديدة وبتاريخٍ انتهى مفعوله من زمان.

أكيد هناك شبه زِلزال يودَّون رؤيته في المنطقة بعد أن شاهدوا الفتنة، وكانوا شهوداً عليها وكانوا فاعلين لها. ومع الأسف هناك أطراف سابقة في السلطة أيَّدت هذا الطرح لأسبابٍ استراتيجيةٍ تتعلق بمصالحها وإنْ كانت اليوم، لا تمثل سوى جزء من أرشيف الأزمة.

هناك أيضاً مواقف واهية لآخرين لعبوا بالمواقع التي هم فيها من دون وعي منها لأسباب مُلتزِمي فعل الخارج... وللتوضيح فإني أعني هنا بمفهوم الخارج الذين ما زالوا يصنعون مُخطّطاتهم التخريبية بناء على منطوق فعل الخارج.

لم يكن الفكر السياسي بليداً إلى حد الإغماء، كما يتصوَّر هؤلاء، إنهم مُخطئون منذ البداية. ذلك أن لعبة المصالح هي التي تدفعهم من خلف الستار وهم لا يشعرون أو لا يعلمون، ويودّون المواجهة لخَلْقِ واقعٍ ربما لهم فيه موقع قدم. هناك إذن، أثر في البُعد اللاواقعي عند هؤلاء، وإن هذا البُعد يخضع أساساً لمنطق التجزيئية، والتجزيئية هي المهم لديهم، لأنهم يرفضون قسماً مهماً من التاريخ على أنه المرجعية الأساس للتحوّل نحو مفهوم الإيداع خارج صفوف العلمانية وحتى الوثنية. 
  لم يكن الجنرال تواتي سابقاً وسعيد سعدي والهاشمي الشريف، وليلى عسلاوي وآخرون والماركسيون قبلهم إلا القاعدة لهذا المفهوم المُفضَّل الذي ينزح نحو غرف الجليد لا قَصْد جَلْد الذات لتوضيح المبدأ العام الذي يؤسِّس لمفهوم الذاكرة الجماعية، ولكن قَصْد جَلْد الآخرين والتوطئة لعودة الأبجدية الوثنية كي تحكم ضمير الكل...وهم يعلمون أن هذا الذي ناضلوا من أجله بمُساعدة مُمثّليهم في السلطة آنذاك، والذين وزَّعوا بالمجَّان حتى بعض أسرار الدولة عليهم هو قائم على سطوة الوَهْم وتفاعُلات الخيال فيه، إن الطريق عبر مبدأ التجزيئية محفوف بكل المخاطر، وان اتخاذ هذا الطريق من أيِّ كان كمَن يبحث عن الموت للتخفيف عن آلامه.
دعني أقول، لم تكن البلاد على حافّة الانهيار بعد أحداث "الفيس" بل كانت قبلها بسنواتٍ وكانت طائفة التائهين وسط الأحلام من دُعاة تمجيد فكر الآخر بل وتمجيد الاستعمار هي السبَّاقة للفوضى، ولأن الذين سقطوا من المُجاهدين إبان ثورة التحرير كانوا من جميع المناطق والأرياف الجزائرية، فإن هؤلاء لا يمكن أمام هذه الوقائع أن يُفصِحوا عن حبّهم لفرنسا إلا تحت يافطة لجزءٍ من تاريخنا هي يافطة الأمازيغية.. هي بيت القصيد لدى الذين صنعوا الفِتَن للوطن منذ بداية الثورة، وليس بعد الاستقلال بل كانوا يريدون ما قاله "الجنرال ديغول" عن الرئيس بورقيبة قال "لو ولِدَ بورقيبة في شمال أوروبا لكان اليوم والياً على مرسيليا"...

مبدأ الدولة وثوابت التاريخ

إن فكرة التخلّي عن الذات لحساب ذات الآخر، لم تكن وليدة الأزمة التي عرفتها البلاد في بداية التسعينات، إنها بالتأكيد سابقة لهذه الحركة، بل إن الحركة اللاحِقة بما يُعرَف بحركة "الفيس" هي الظاهِرة غير السويّة، فما كان يدور في الخفاء ومن منطوقٍ لا يؤمِن إلا بالخطأ، والخطأ التاريخي بالأساس، وهم يقولون إن قوَّة التاريخ لم تأخذ مجراها نحو الهدف إلا من خلال التجزيئية له،  وبالتالي هم يحاولون البقاء ضمن دائرة ما قبل الإسلام والوثنية أحد مظاهر هذا القول، والسياسة المُناهِضة لكل القِيَم والمفاهيم الإعلامية والاجتماعية هي بوابّة للوعي عندهم لا لأنهم لا يمتلكون غير رؤية الماضي البعيد، لكن لارتباطهم بمُعادلاتٍ سياسيةٍ رسَمَتها فرنسا قبل خروجها من الجزائر، إنهم يقولون أيضاً نحن قوَّة في قمَّة التاريخ ولكن بالمفهوم المُستوعِب للفوضى لا المُستوعِب للتاريخ... يدعون أصحاب هذه الرؤية مبدأ التمكين  ولكن بمفهوم الإلغاء للتمكين ذاته إذ لم يكن المربّع الذي يتنافسون فيه حكاية للتاريخ والجريمة إلا تلك التي اقترفت ضد الوثنية فيه. لذلك نحن نقول إن فكرة الاعتزاز بالجغرافيا هي نفسها فكرة الاعتزاز بالتاريخ، و"حين يلتقي التاريخ بالجغرافيا يولد الإنسان". الإنسان الذي بإمكانه الذَوَبان في مفاهيم العامة لا الخاصة، فهل بإمكان "الانفصالي" فرحات مهني وزُمرته أن يقفز الجميع على الجغرافيا مثلما يحاولون عبثاً القفز على التاريخ؟ وهل للحقائق المُرادِفة لما هو حاصِل على الأرض أن تلغى بمُجرَّد إمكانية التخلّي عن جزءٍ من الواقع لحساب الوَهْم، ولحساب مرجعية الآخر؟

حين يتضاءل بريق الأمل في الأفق السياسي لدُعاة الانشطار التاريخي يأتي الانقلاب فيتضاءل معه أيضاً كل جهد يُبذَل في مصطلح الجهة الصانِعة لهذا الأفق وذاك الانشطار. نعم، لكن حركة الانطواء الأمازيغي لدى دُعاة الإلغاء للآخر ممَن هو من مُكوّناتها ما هو إلا مُجرَّد حركة هائِجة أنتجت ما تنتجه أمواج البحر "زَبَد أجوف" ولذلك انشطرت أحزابهم إلى خلايا، أقول خلايا لأن منها مازال مُتشبِّثاً بأوراق الأشجار الصفر بإسم الوثنية ويصنع منها الأوزار لنفسه.

هناك إذن فَرْق بين مَن يؤمِن من منطق البناء الواقعي، وبين مَن يُشعِل شموع الأوهام ويظنّ أنه قادِر مُقتَدِر على تصريف الفكرة الغامِضة التي يحاول رَسْمَها على جبين الأرض.

العامِل الأول يصنع الواقع من جديد وفق منظور المستقبل، والعامل الثاني يتخلَّى عن وجوده لمبدأ النضال من أجل أن تُحرَق الرمال والرمال لا تحترق.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً