فاطمة خليفة

صحافية وكاتبة لبنانية. انضمت إلى الميادين نت عام 2016.

عن "نشوة" الحرائق التي أسماها اللبنانيون "وأد الخيبة"!

لا يحرمُ الطغاة شعوبهم كلّ شيء، يبقون لديهم شيئاً ما يخسرونه، فلا أخطر من إنسان ليس لديه ما يخسره. ينتفض لبنان اليوم على ضمّادات الجراح التي كان يُعالج بها، على الأورام الطائفية المنتفخة التي ظنها اللبنانيون لوقت طويل أمجاد آبائهم والأجداد!

عن "نشوة" الحرائق التي أسماها اللبنانيون "وأد الخيبة"!
عن "نشوة" الحرائق التي أسماها اللبنانيون "وأد الخيبة"!

لبنان لم يعد يحتمل، أطنان من حمولات الفشل على صدره، وفي طريقه، وعلى حائط منزله، تحت الشرفات، فوق الطرقات، آلام المارّة، تنهدات المكظومين المقهورين المأخوذين بِداءات السرطانات الطبية والأخرى النفسية، يضيق بهم المكان، لا مساحة للتنفس، لبنان ينتفض على كل شيء حتى على نفسه وتاريخه وأمجاده، ينتفض على ضمّادات الجراح التي كان يُعالج بها، على الأورام الطائفية المنتفخة التي ظنّها اللبنانيون لوقت طويل أمجاد آبائهم والأجداد!

بيوت لبنان تنتفض، شوارعها تهتز، المدن تتصل بالمدن، الطوائف بالطوائف. الشبّان في لبنان باتوا مجموعة من الندوب، من "إرث" السلطة مرغمين ليعيشوا، من الأحزاب، من الأوضاع المعيشية الصعبة، من لبنان "الكبير" الذي ضاق بهم ذرعاً. يدرك الشعب اللبناني جيداً، ومن يتابع الوضع هناك، أن اللبنانيون يكافحون من لحظة استيقاظهم حتى اللانهاية. في الـ 19 من شهر تشرين الأول/ أكتوبر عمّت التظاهرات مدن لبنان وقراه، العاصمة بيروت شهدت التجمّع الأكبر للمنتفضين على النظام، للغاضبين من الضرائب التي فاقت حمل جيوبهم. يقال إن الطاغية الذكي هو الذي يترك للمواطن دائماً شيئاً يخسره، لا يسلب منه كل شيء دفعة واحدة حتى لا يفقد طاعته تماماً، لأن اللحظة التي يخسر فيها الإنسان كل شيء لن يعود كما كان، ولا شيء أخطر من إنسان ليس لديه ما يخسره.

جمر لبنان المتقد تحت الرماد ما أسرع أن توهّج رغم كل الإطفائيات الطائفية. اليوم يشهد هذا البلد الجميل وللمرة الأولى في تاريخه الحديث، إستفاقة شعبية بعناوين معيشية بحتة، لا طائفيةَ فيها ولا "من يَتَقَدَّسون"، ما يشبه الصحوة المؤلمة بتوقيت حرج لدى شعبٍ تعاطى المخدرات الوطنية بشتى أنواعها الدينية والعصبية والعائلية والمناطقية، حتى أصبح متورّماً، لا مكانَ في جسده لقطبة مخفية ينجح فيها أهل السياسة بتمرير مشروعٍ مشبوه.

هي ربما ليست ثورة كما ردَّدَ المحتجون، لم ترق لذلك بعد، هي شعلة لما هو أكبر من مجرد إنفجار شعبي بوجه حكومة تلوي ذراع أبنائها في كل مشروع قانون لا يبدو أن أحداً يدفع فيه الثمن غير الطبقة الفقيرة من الشعب، وهي الأكبر والأكثر انتشاراً في لبنان.

في الاحتكاك المباشر مع الناس ترى المشهد بطريقة مغايرة، لا تستطيع كل الكاميرات مهما اشتد تطورها أن تعكس رائحة الرفض ونكهة العصيان، في الساحات التي افتتحت أحضانها لجموع اللبنانيين، نزل الشاب اللبناني العاطل عن العمل، والمرأة اللبنانية التي وجدت الواسطة أكبر من كفائتها، والعجوز الذي يحمل همّ دواءه عند مطلع كل شهر، في الساحة حضر الطفل الذي علّمته والدته أن ينتفض مبكراً لتؤمن له مستقبلاً يليق بـ "مواطن".

بعض مظاهر الشغب التي ظهرت في تظاهرات الأيام الخمسة الماضية، كإحراق الإطارات، الكلمات البذيئة، تكسير المحال، وغيرها من الإنفعالات التي أبداها المتظاهرون، أزعجت الكثير من المعترضين عليها، وهذا انزعاج مفهوم وربما منطقي، لكن على مرّ العصور والتاريخ لم تخرج تظاهرات مطالبة بالتغيير بالشوكة والسكينة، ولم يخصص النظام التعليمي في لبنان تحديداً مواداً تربوية تدرّس مناهجَ لتعليم الطلاب "كيف يحاربون فاسداً" صبّ كل فساده عليهم، وسرق حاجته وأكثر! "أتيكيت" التظاهر لم يدرّس في بلاد عمّ الفساد أغلب القطاعات فيها. فكيف نعيب على الناس الخروج عن حدود المنطق في بلاد سرق " المنطق" من خيراتها ما سرق!

الشاب الذي ترك الجامعة لأن عليه أن يعمل كي يعيل عائلته، وعمل بأقل أجر ممكن لأيّ إنسان أن يعيش به، ولم ير في حياته معالم الراحة الاجتماعية والنفسية إلا على التلفاز، لا تتوقع منه حينما يجد فرصة ليعبّر عن رأيه أن يعبر بصوت خجول ومنخفض، هذا الشاب، ومثله كثيرون، سيصرخون بكل ما أوتوا من وجع وظلم اجتماعي وطبقي، سيصرخون من الظلم، ثائرين على أوضاعهم ومعاناتهم.

هذا الشاب، عندما يشعل إطاراً، يشعل معه خيباته التي راكمها الفساد في قلبه، خيبة خيبة.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً