عايدة سميح الصعيدي

كاتبة لبنانية

دعوة إلى احتجاج إيجابي.. كيف نخرج من المتاهة؟

اللاتكافؤ بين ثقافة الجهل لجهة الشعوب وثقافة الخبرة لجهة السلطة تُبقي على ركود فكري، وأية محاولة للخروج من تلك المعادلة في غياب القائد تبقي الاحتجاجات في إطارها العفوي والآني.

دعوة إلى احتجاج إيجابي.. كيف نخرج من المتاهة؟
دعوة إلى احتجاج إيجابي.. كيف نخرج من المتاهة؟

الاحتجاج أو التمرّد على الطاعة والإنصياع للقوانين العامة أو للعقد الاجتماعي هو حال سيكولوجية تحمل مضموناً ذا وجهين: الإيجابي والسلبي.

المضمون الإيجابي هو ما يمكن أن يكون سبب تطوّر البشرية وتحرّرها من التبعيّة البدائية الغريزية. هذا المضمون هو أساس التحوّلات الحضارية التي فتحت أمام الإنسانية جميع سُبُل التقدّم والازدهار في المجالات كافة. أما المضمون السلبي فهو نقيض ما تقدّم من تعريف عن المضمون الإيجابي من حيث كونه يمثل معوَل هَدْم حين يخرج من الإطار الحضاري لاغياً دور القانون والقِيَم المُتفّق عليها بحُكم العقد الإجتماعي السائِد.

هنالك توافق قوي يظهره عِلم الإجتماع على أن العلاقة الجدلّية بين التحرّكات الشعبية والتغيير الاجتماعي هي علاقة لا تزال تتفاوت مُقارباتها وتفسيراتها، فهناك التفاوت ضمن النظرية الكلاسيكية التي ترى في أولى مراحل الاحتجاجات غوغائية وشغباً وهي بذلك تتشكّل من مجموعات مُهمّشة ومُهشَّمَة وبالتالي غير مُهيّأة للقيادة أو التأسيس للتغيير بما يلغي دوافع الاحتجاج.

هكذا احتجاجات شعبية لا يمكن أن تحقّق التغيير المنشود من دون "الحلم" الذي يحمله حامِل/ حامِلو الراية.

في غياب القائد، المُحرِّض الأول للاحتجاجات الشعبية والداعي الأول للتغيير، تتحرّك التجمّعات الشعبية العفوية ضمن مسارها الأعمى، أو تبقى مجرّد فئران الاختبار في مَتاهة الأحداث.

لم تجلس الشعوب العربية لتقرأ وتتثقّف لتعرف كيف تواجه عوامل الحرمان والتهشيم التي تعانيها، سواء أكانت عوامل خاصة أو عامة. لذا لم تتمكّن من اكتساب قوّة الاحتجاج والرفض لواقعها بالعين السليمة واللسان الحكيم.

 كذلك لم تواكب تثقيف السلطات الحاكِمة لنفسها في التجذّر والتحكّم. هذا اللا تكافؤ بين ثقافة الجهل لجهة الشعوب وثقافة الخبرة لجهة السلطة تُبقي على ركود فكري وخمود عضوي، وأية محاولة للخروج من تلك المعادلة في غياب القائد تبقي الاحتجاجات الشعبية في إطارها الطارئ والعفوي والآني، وغالباً ما يصحّ فيها الوصف بالغوغائية والعمياء. أشدّ راديكالية من هذا الوصف بالغوغائية هو وصف الأفراد داخل هذه الاحتجاجات بأنهم لا يمتلكون صوتهم الخاص، وإنهم بذلك نمطيّون بحيث تنتقل الدوافع من فردٍ إلى آخر من دون وعي أو اختيار.

هذا يعني أنه لو حدث العكس وحظيت الشعوب العربية بكيفيّة التعامل مع واقعها، بشديد حرمانه، ولو تركت السلطات الحاكِمة لنفسها فرصة الاقتراب من هذا الواقع الشديد الحرمان لأصبحت شريكة شعوبها في بناء دولة الحقوق والواجبات. لكن هذا التباعُد المُتزايد والمُستَدام بين الشعوب والسلطات الحاكِمة هيّأ المناخ الخصب لكافة أنواع وأشكال الاستلاب الفكري والاغتصاب الثقافي. إذ خرجت الشعوب العربية في "ربيع" احتجاجات لم تجن منه غير المزيد من الحرمان والجهل والتخلّف، والمُخزي في هكذا مشهد أن مَن خلق السلطة ومَنَحها حق إدارة حقوقه هي الشعوب نفسها.

من أدقّ التصنيفات التي تصحّ وصفاً  للاحتجاجات الشعبية العفوية والغوغائية أنها "سائِل" بكافة مُميّزاته، هذه الخاصية "السائِلة" تُتيح التعامُل معها بسهولةٍ من حيث التلوين والتشكيل والتلويث. هكذا يتداخل العامل الثالث، إعلاماً واستعماراً، مع غوغائية الاحتجاجات وتجذّر السلطات لتتبادل وإياهما دوراً إبقاءً لواقع الحرمان امتطاءً ولواقع السلطة ابتزازاً.

متى تكون الاحتجاجات الشعبية بمضمونها الإيجابي ومتى تُجيد الفئران الخروج من المَتاهة؟

لنعد إلى بداية المشهد.. إلى احتجاجات آنيّة محكومة بترابُط ركيك من حيث افتقادها لسلوك موحَّد وغير مُشكَّل، وهذا يعود إلى غياب الثقافة الاجتماعية/ الوطنية ذات الأساس الأخلاقي الذي يلزم أفراد المجتمع بمجموعةٍ من الواجبات، كما يمنحه في المقابل مجموعة مُتكافِئة من الحقوق.

الخَلَل الاجتماعي يبدأ من هنا، من معادلة مشوّهَة ما بين الحقوق والواجبات كأن تتمادى مساحة الواجبات على حساب مساحة الحقوق حتى درجة الاختزال أو التهميش. دائماً تحتضن حال الحرمان من الحقوق بؤراً نفسية قابلة للاشتعال والانقياد كما هي حال الاستعباد الطَبَقي: مَن يطلب واجب الطاعة من دون إعطاء الحق المقابل. المجتمعات التي تمتلك رؤية سامية مفروضة بقوّة القانون للتوازي بين الواجب والحق لا تعرف الاحتجاجات إلا بمضمونها الإيجابي وبما يدفع بها إلى المزيد من التوازُن والاستقرار. لا يجب أن تتراءى هنا صورة المدينة الفاضِلة التي لا أساس لها سلوكياً، بل المقصود هو أن يكون لحياة الإنسان معنى  ودوراً سواء أكان مؤدّياً لواجباته أوحاصِلاً على حقوقه. غير ذلك المعنى الإنساني يدخل المجتمع/ الوطن في حال توقّعات، بل تأكيد، لموجاتٍ من الرفض والاحتجاج العدائي والعنيف تتفاوت قوّة  وتأثيراً تبعاً لشرْطَيّ القيادة والعنوان.

إن النظرية المُعاصِرة للاحتجاجات الشعبية تُناقِض النظرية الكلاسيكية من حيث الدوافِع والفُرَص، في حين أن الأولى ترى في الاحتجاجات الشعبية قوةً مُستمَدةً من الفُرَص التي تُتاح لها تنظيماً وترابطاً ما يؤمّن استمراريتها وتمدّدها أفقياً وعامودياً: أفقياً في جغرافيّتها وعامودياً في خبرائها. لذا فهذه النظرية لا ترى في حدّة الحرمان وتراكُم الخيبات على أنها دوافع للاحتجاجات الشعبية ما لم تتهيّأ لها الفُرَص والظروف الناضِجة للظهور، وهي بذلك تعتمد بشكلٍ أساسي وأولي على شبكة ترابط اجتماعي بينما تبقي النظرية الكلاسيكية على رؤيتها في آنيّة الظهور وعفويّته وعدائيّته.

لقد أغفلت النظريتان السيكولوجيا التي تحكم العلاقة بين المُحتّجين من جهةٍ والمُحرِّكين من جهةٍ ثانية، هنا المُحرّك لا يعني أبداً القائد، بل مَن يتداخل كطرفٍ ثالثٍ أو مُتآلفٍ مع أحد الطرفين لأخذ المُحتّجين إلى مَتاهة الفئران، وهناك تُختَبرُ أساليب المُحرِّك وليس مستوى إدراك الفئران. إنها مسؤولية الفئران التي لم تلقّن أدراصها (صغارها) على كيفيّة الاحتجاج على استخدامها داخل المَتاهة.

لا تملّ الشعوب العربية من دخول المَتاهة، بل وَهْماً وسراباً تتراءى لها سُبُل الحلول لأزماتها، كمَن يدخل الأدغال غير المُكتَشفَة مُتسلِّحاً بالدعاء. هو إذن الافتقاد لثقافة الاعتراض والاحتجاج بمفردات الحق والعدالة وليس بمفردات الذاتية والبراغماتية.    

هل آن الآوان ليقظة الشعوب العربية؟ هل آن الآوان لتجلس وتقرأ وتتثقّف استعداداً لغد آتٍ كالإعصار؟ إعصار قد يتركنا خلفه على انفجارات بركان حيوي أو على ثروات طبيعية نُحسِن التنعّم بها والمحافظة عليها إرثاً للأجيال الآتية. لقد خرجت الأسود والفيَلَة والأفاعي من السيرك المُتنقّل على غفلةٍ من مُروِّضيها فأخافت الآتين إليها للترفيه والتسلية. والسؤال الأول كيف نخرج من المَتاهة؟


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً