محمد زيني

صحافي عراقي في قناة الميادين.

"إسرائيل" تريد حراكاً لبنانياً على مقاسها

في ظلّ الأجواء المُتوتِّرة يستمر الضغط على رئيس الجمهورية اللبنانية ميشال عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري لتكسير أيّ حاجز سياسي قريب من المقاومة.

  • "إسرائيل" تريد حراكاً لبنانياً على مقاسها

 

في كثيرٍ من الأحيان ينساق بعض البُسطاء لتحقيق مصالح العدو الإسرائيلي بالمجَّان، وهناك مَن يعمل وفق أجندة لتحقيق ذات المصالح، لا ضَيْر في أن تكون احتجاجات مطلبية في لبنان تُطالب بتحسين الأوضاع الاقتصادية للشعب اللبناني، ولا أحد يحقّ له الاعتراض على استخدام المُتظاهرين لجميع وسائل التعبير عن الرأي في الأطُر السلمية المُتعارَف عليها لضرب عُمق الفساد في البلاد وتقوية المؤسَّسات الخدمية.

 لكن أن يتحوَّل المشهد إلى التصويب على فريقٍ سياسي مُتحالِف وله الغالبية وجاء عبر انتخابات حرَّة نزيهة من دون غيره، والسكوت على تدخّل الإدارة الأميركية بالشأن الداخلي اللبناني وتشتّت المطالب، وإيجاد ثغرات لإبقاء البلد في حالٍ من الشلل، بالإضافة إلى رفض أية مُبادرة من قِبَل الأطراف السياسية لحل الأزمة، فهذه مؤشّرات على وجود طرفٍ خارجي ثالثٍ يستغلّ الشارع لتحقيق هدفٍ استراتيجي مُعيَّن، بعيداً كل البُعد عن المطالب الخدمية المشروعة للشارع.

هل يُخفى على أحد أن "إسرائيل" تتربَّص بلبنان، أو هل هناك شكّ في أن الولايات المتحدة هي الحامي والمُدافِع عن مصالح "إسرائيل" في الدرجة الأولى؟

معروف لدى الجميع أن "إسرائيل" هي المُستفيد الأساس من أية أزمةٍ لبنانيةٍ داخليةٍ تستنزف المقاومة، و"إسرائيل" في كثيرٍ من الأحيان لا تعمل بالأصالة عن نفسها بل تعتمد على توابعها من دولٍ عربيةٍ أو شريكتها وحاميتها الولايات المتحدة.

وعن طبيعة أهداف "إسرائيل" في لبنان فأيضاً هي واضحة ولا تحتاج إلى بحوثٍ مُعمَّقةٍ، وتتجسَّد في ضرب المقاومة الإسلامية في لبنان داخلياً لإضعافها تمهيداً إلى القضاء عليها، وخير دليل هو ما عبَّر عنه رئيس وزراء حكومة العدو الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن ضرورة استفادة "إسرائيل" من الحراك الشعبي الدائِر في لبنان. وهذا هدف إسرائيلي كبير خصوصاً وهو أحد توصيات ما يُعرَف بـ "لجنة فينوغراد"، بعد هزيمة "إسرائيل" في حرب تموز 2006.

الانكسار المُهين للعدو الإسرائيلي على يد المقاومة الإسلامية في لبنان أخذه إلى دراسة أسباب الهزيمة، وشكّل لجنة برئاسة القاضي المُتقاعِد إلياهو فينوغراد، وخلصت اللجنة إلى عديدٍ من التوصيات، أهمّها إيجاد حال من الإرباك في بيئة المقاومة ومحاولة ضربها وتفتيتها من الداخل. وهذا ما تسعى إليه الولايات المتحدة في الوقت الحالي، حيث تندرج العقوبات الأميركية المُشدَّدة على المقاومة في لبنان، فذلك ضمن إطار الهدف الإسرائيلي الكبير.

وحتى لا ندخل بتخوين أيّ طرف، نقول إن ما حدث في لبنان من اليوم الأول ليس تظاهرات مطلبية بل افتعال لأزمة سياسية من مدخل المطالب الشعبية.

ونُبسِّط الأمر أكثر ونقول فعلاً انتفض الشارع، فمن المؤكَّد أن هناك مطالب خدمية مُحِقَّة ويجب أن تتحقَّق وحال الفساد والتدخّل بالشأن الداخلي اللبناني يجب أن تنتهي، لكن المؤكَّد الثاني هو أن "إسرائيل" حتى لو تكن هي المُحرِّك لذلك منذ البدء فستعمل على استغلال ذلك لاحِقاً وركوب الموجة لتحريفها صوب تحقيق مصالحها بالدرجة الأولى، وعندما نقول ألا مصلحة لأحد من نزع سلاح المقاومة إلا "إسرائيل" فهذا لأن هذا السلاح لم يوجَّه إلى الداخل أو يُهدِّد الشريك في البلد في يومٍ، ووفق مبادئ المقاومين سيبقى الهدف من السلاح هو قتال العدو الإسرائيلي وتوابعه وردعه عن التفكير في التجاوز على سيادة لبنان ووحدة أراضيه، بل هذا السلاح هو يد لبنان الضارِبة لأيّ تهديدٍ خارجي وعنصر فعَّال في حماية وحدة لبنان من "إسرائيل" والمنظمات الإرهابية، كما شاهدنا موضع استخدام السلاح في جميع الجولات التي سبقت التحرير عام 2000 بفضل المقاومة حتى الانتصار على "إسرائيل" عام 2006، والتحرير الثاني عندما سارَعت المقاومة إلى الدفاع عن لبنان وتحريره من الجماعات الإرهابية عام 2017. 

الجيوش الإلكترونية والماكينات الإعلامية المدعومة إسرائيلياً وخليجياً تحاول تأليب المجتمع اللبناني على المقاومة عبر تسويق أكاذيب وأضاليل وإثارة المخاوف من لجوء حزب الله إلى استخدام قوَّته للتنكيل في الشركاء أو الخصوم السياسيين أو المُتظاهرين وهذا كذب كبير تسوّقه وسائل معروفة الغايات.

وإن كان هناك من تهديد فهو موجّه إلى المقاومة ووجودها منذ قرارات الخامس من أيار 2008، وما يسوِّقه البعض هو محاولة لتشويه التاريخ وحَرْفه.

وما هذه المحاولات إلا لإشعال فتيل أزمة طاحِنة يكون المطلوب فيها سلاح المقاومة وتحويل المشهد إلى حراكٍ ضدها. هذه المحاولات حتى الآن تواجه الفشل بحكمة المقاومة وعدم ذهابها إلى تنفيذ ما يُراد جرَّها إليه من حيث لا تشعر، وفي ظلّ هذه الأجواء المُتوتِّرة يستمر أيضاً الضغط والاتّهامات على رئيس الجمهورية اللبنانية ميشال عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري لتكسير أيّ حاجز سياسي قريب من المقاومة.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً