فوز جونسون فرصة اقتصادية لـ"إسرائيل"

بريطانيا هي سوق التصدير الثالث من حيث حجمه بالنسبة إلى "إسرائيل"، وستكون أمام الأخيرة فرصة للحصول على حصَّةٍ أكبر من كعكة الاقتصاد البريطاني في عصر ما بعد "البريكست".

  • فوز جونسون فرصة اقتصادية لـ"إسرائيل"

 

شكَّل حجم الفوز الذي حقَّقه زعيم حزب المُحافظين البريطاني الحاكِم بوريس جونسون في الانتخابات التشريعية على مُنافسه حزب العمال البريطاني بزعامة جيرمي كوربين مُفاجأة غير مُتوقَّعة. فقد كانت غاية المنى في أوساط مؤيِّدي الحزب تحقيق الفوز، أما أن يحصل حزبهم على الغالبية المُطلَقة في البرلمان فإن ذلك فوق ما تمنّوه.

وقد تعاملت مختلف دول العالم مع هذا الفوز على أنه شأن داخلي، فبادر رؤساؤها ورؤساء حكوماتها إلى إرسال التهاني المعهودة بلغةٍ دبلوماسيةٍ تتَّفق مع هذه المناسبة. الاستثناء الوحيد كان "إسرائيل" التي رأت في نصر جونسون نصراً لها، كما رأت، قبل ذلك، في معركته الانتخابية ضد جيرمي كوربين معركتها هي. وكان انتصار جونسون، وهزيمة كوربين، غاية ما تتمنَّاه أيضاً.

وبعيداً عن تصريحات المسؤولين الإسرائيليين حول الموضوع، وعن الأرقام التي حقَّقها كل من الحزبين، المُحافظون والعمال، في الانتخابات، فإن الأرقام المتوافرة تشير إلى أن حجم التجارة بين بريطانيا و"إسرائيل" في الوقت الراهِن يُقدَّر بحوالى 8 مليارات جنيه إسترليني (36.5 مليار شيكل).

وبريطانيا هي سوق التصدير الثالث من حيث حجمه بالنسبة إلى "إسرائيل"، بعد كل من الولايات المتحدة الأميركية والصين، حيث وصل مُجمَل الصادرات إلى 4.3 مليارات دولار عام 2018. ومن أهم الصادرات الإسرائيلية إلى بريطانيا الأدوية والأحجار الكريمة والآلات والمعدَّات الميكانيكية والمعدَّات الإلكترونية والفواكه والخضراوات.  

ووفق مُعطيات معهد التصدير الإسرائيلي، الذي يعمل في إطار وزارة التجارة، فإن الصادرات من "إسرائيل" إلى بريطانيا قد تضاعفت في الفترة ما بين 2010 – 2017 بحوالى ضعفين ونصف، من حوالى 2 مليار دولار عام 2010 إلى حوالى 5 مليارات دولار عام 2017. إذ قفزت الصادرات من الأدوية بنسبةٍ مُتراكِمة وصلت إلى 320%، من 870 مليون دولار إلى 3.66 مليارات دولار. وعليه، فلا عجب أن نجد أن كل 1 من 7 أدوية تستخدمها هيئة الخدمات الصحية الوطنية في بريطانيا هو إسرائيلي المصدر.

ولكن، في الوقت الذي يشهد فيه تصدير الأدوية صعوداً حادَّاً فإن الفروع الأخرى لم تشهد أية زيادة تقريباً. وعلى الرغم من القفزة التي شهدها عام 2011، فقد حافظ التصدير من السنة التالية وحتى عام 2017 على متوسّطٍ بلغ 3.1 مليارات دولار.

وفي عام 2018 بلغت الصادرات البريطانية إلى "إسرائيل" 6.5 مليارات دولار، وهي قد ضمَّت مُنتجات الطاقة (الوقود ونواتِج التقطير) والآلات والمعدَّات الكهربائية والمركبات والمواد الغذائية والمشروبات. كذلك، ووفق الاتفاق المُوقَّع بين شركة "رولز رويس موتورز" وشركة الطائرات الإسرائيلية "العال"، فإن الشركة ستزوّد محرِّكات (Trent) لأسطول الطائرات التابع للشركة من طراز (Dreamliner) بعد أن اشترت الشركة 16 طائرة بمبلغٍ يزيد على 1.25 مليار دولار. وانضمَّت أولى هذه الطائرات إلى أسطولها في شهر آب/ أغسطس 2017. كما أنه منذ عام 2012 ازدادت مبيعات الويسكي من بريطانيا لـ"إسرائيل" بنسبة 300%.     

وأصبح التعامُل مع بريطانيا مُغرياً بالنسبة إلى الإسرائيليين وذلك في أعقاب الضعف الذي أصاب الجنيه الإسترليني. حيث طرأ ارتفاع على الاستثمارات الإسرائيلية في العقارات وفي القطاعات الأخرى. وكان الجنيه الإسترليني قد تراجع بنسبة 25% مقابل الشيكل، الأمر الذي أدَّى إلى انخفاض أسعار المُمتلكات في بريطانيا بالنسبة إلى الإسرائيليين (بالإضافة إلى التسوّق والسياحة). أما بالنسبة إلى الاستثمارات بعيدة المدى فهي تتركَّز في مجال الصناعات الدقيقة (الهايتك). 

لقد كان من المُتوقَّع، في حال فوز جيرمي كوربين، أن ينشأ وضع شبيه بالوضع القائم بين "إسرائيل" وتركيا. فصعود رجب طيب إردوغان إلى السلطة عام 2003 لم يلغِ العلاقات التجارية القوية بين الطرفين، على الرغم من حدوث تراجُعٍ فيها على مستوى الحكومتين. صحيح أن كوربين ما كان ليُلغي الاتفاقيات القائمة بين الجانبين، لكنه لم يكن ليُمدِّدها. وربما كان سيحرص على ألا تشارك شركات إسرائيلية في العطاءات (المُناقصات) الحكومية، أي من نمط الخطوات التي توجد لها تأثيرات بعيدة المدى.

هناك موضوع هام آخر كان من المُمكن أن يُثير حساسيّة في العلاقات البريطانية– الإسرائيلية هو موضوع تحالف "العيون الخمس"، وهو تحالف مخابراتي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، ويضمّ إلى جانبها كلاً من بريطانيا ونيوزيلندا وأستراليا وكندا. وهو يختصّ بمجال التعاون المُشترَك في مجال استخبارات الإشارة. صحيح أن "إسرائيل" ليست جزءاً من هذه الشبكة لكنها تمتلك القدرة على الوصول إلى المعلومات حول بعض المواضيع، وذلك بفضل علاقاتها الوثيقة مع الولايات المتحدة الأميركية والدول الأخرى في الحلف. ومن المُرجَّح أن الولايات المتحدة الأميركية كانت ستُمارِس الضغوط على بريطانيا لو حاولت حكومة برئاسة كوربين، لو فاز، وحاول التأثير سلباً على مكانة "إسرائيل" هذه من خارج التحالف لثنيها عن ذلك.

أما الآن، وبعد فوز بوريس جونسون فإنه بات من شبه المؤكَّد أن بريطانيا بقيادته ستخرج من الاتحاد الأوروبي بحلول 31 كانون الأول / ديسمبر الجاري (أو في تاريخٍ لاحِق). وهي ستكون مُضطرَّة للتوقيع على اتفاقياتٍ تجاريةٍ مُستقلَّةٍ غير تلك المعمول بها في ظلّ قوانين وقواعد الاتحاد الأوروبي. وبالطبع ستكون أمام "إسرائيل" فرصة للحصول على حصَّةٍ أكبر من كعكة الاقتصاد البريطاني في عصر ما بعد "البريكست".

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
مرعي حطّيني

صحافي فلسطيني

إقرأ للكاتب

من يُشهر البطاقة الحمراء بوجه ترامب؟

ليست هذه هي المرة الأولى التي تنسحب فيها الولايات المتحدة الأمريكية من منظمة الأمم المتحدة...

ترامب و"متلازمة" إلداد

ربما القلّة القليلة من بين القرّاء العرب تعرف آرييه إلداد. هو ليس طفلاً مصاباً بمتلازمة من تلك...