بسام رجا

كاتب واعلامي فلسطيني

تهاوي "التسوية".. لا بوابة إلا المقاومة

نحن اليوم أمام مُستجدّات خطيرة في استهداف القضية الفلسطينية وحق عودة اللاجئين، وخطورة الراهِن لا تحتاج إلى مؤتمراتٍ واستجداءاتٍ سياسيةٍ والبحث عن مخارج آنيّة للإفلات من الضغوط الاقتصادية.

  • الواقع الفلسطيني الراهِن يحتاج إلى خطواتٍ جذريةٍ للعودة إلى المنطلقات النظرية لمنظمة التحرير

يحمل "التفرّد" السياسي عناوين ومُعطيات كثيرة تُمكّن المُتابِع من قراءة الواقع الذي أفرزه وبنى فيه استمرارية التردّي الحاصِل في العلاقة بين مَن هم مراقبون ومَن أوصلهم التفرّد إلى حضيض مُزرٍ في تفاصيله اليومية. فالقراءات القسريّة للواقع الشاخِص من الذين يتحكَّمون بالقرار السياسي في الحال الفلسطينية شكّلت سدوداً حجبت في كثيرٍ من الأحيان إمكانية الوصول إلى فَهْم طبيعة "الإرتجال" في القرارات التي تتّخذ تحت المُسمَّى الوطني.

ويبدو أن الواقع الفلسطيني الراهِن يحتاج إلى مُصارحاتٍ وخطواتٍ جذريةٍ للعودة إلى سياق المُنطلقات النظرية لمنظمة التحرير الفلسطينية. وهذه يستحيل الوصول إليها في ظلّ الهيمنة التي تجتاح المنظمة بعد عقودٍ على انطلاقة الثورة الفلسطينية.

فما دامت صورة الواقع الفلسطيني تتأرجح بين مَن يُجاهِر بضرورة استعادة خط منظمة التحرير الفلسطينية إلى المُنطلقات الأولى ويكتفي بالصُراخ، وبين مَن يعتبر أن المنظمة "مُقدّسة" بشكلها الحالي، فنحن بالضرورة أمام قفزات في الهواء.

وبعد ثلاثة عقود من "التجريب" السياسي ومضيَعة الوقت لم تصل المنظمة وكل البنى السياسية التي أفرزتها الاتفاقات السياسية مع الاحتلال إلى صيغةٍ تقدّم للفلسطيني أن "دولة" فلسطينية تلوح في الأفق. بل يمكن القول إن كوارث سياسية تراكمت في وجه "حلم" الدولة الفلسطينية الذي روَّجه بعض المُتحمّسين للتفاوض.

في القراءة السياسية لمشروع الاحتلال في الضفة والقدس لا نحتاج إلى التكرار، ونحن نرقب حركة الاستيطان في الضفة الغربية المحتلة وفي القدس. والتصريحات التي أطلقها مؤخّراً رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، بعد فوزه بالانتخابات التمهيدية لحزب "الليكود" على مُنافسه جدعون ساعر، تكفي للتقدير أن خطوات الحكومة الإسرائيلية "القادمة" هي تهويد كامل الضفة الغربية المحتلة، والمزيد من الحصار على غزَّة للوصول إلى "تجريد" المقاومة من سلاحها.

فما هو المشروع الفلسطيني المُشتبك مع الهجوم السياسي الصهيوني الذي وصل إلى بعض العواصم العربية وفيها تخطّ الأسطر النهائية لصفقة القرن؟

لم تعد هناك مساحة لمشاريع جديدة يمكن أن تقدَّم أو يروَّج لها، أو البحث عن راعٍ للتفاوض، فرُعاة التفاوض من الاتحاد الأوروبي محكومون بالسقف الأميركي الذي خرج من لعبة "الدولة" الفلسطينية. وتصريحات المسؤولين الأميركيين تؤكّد أن السقوف السياسية هي "صفقة القرن" والخيار الاقتصادي لـ"سكان" فلسطين.

أما "حلم" الدولة الفلسطينية والحديث عن حق العودة فهو خارج أيّ تداول. وهذا يترافق مع سعي بعض الأنظمة الخليجية إلى تهدئة جبهة غزّة والدّفع إلى تبنّي فكرة الانتخابات الفلسطينية التشريعية والرئاسية وما يمكن البناء عليه للوصول إلى حلولٍ نهائيةٍ للقضية الفلسطينية مُتّسقة مع "صفقة القرن".

وهذا الواقع الصادِم يترافق مع تسويق مشروع الشراكة الاقتصادية والسياسية مع كيان الاحتلال من قِبَل بعض الأنظمة الخليجية. فمخاطر وأهداف هذا المشروع تتطلّبان مُقاربات جذرية للمواجهة من فصائل العمل الوطني الفلسطيني التي لم يزل بعضها يروِّج لخطاب ترتيب البيت الفلسطيني وفق مصالحه التنظيمية.

ومع أن الطرح مُغرٍ وجاذِبٍ إلا أن البيت يحتاج إلى إعادة بناء كلّي، بعيداً عن أيديولوجيات التضليل والشعارات الكبيرة التي أثبتت أنها مُفرَغة من مضامينها بل كانت جسر عبور للمصالح والتفرّد في مسؤوليات ألحقت الكوارث بقضية فلسطين.

55 عاماً على انطلاقة الثورة الفلسطينية ومثلها على تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية كانت كفيلة أن نصوِّب الرؤيا والأهداف. ومع أن المقاومة الفلسطينية قدَّمت أنموذجاً نضالياًـ كفاحياً في عقدين ونصف العقد من الانطلاقة والعمل العسكري، ومن ثم ظهور قوى وحركات مقاومة سدّت الفراغ الذي حصل جرّاء تراجع العمل العسكري المقاوِم، إلا أن غياب المشروع الناظِم للمقاومة الفلسطينية والإدارة السياسية المنطلقة من ثوابت قضية فلسطين أشعلت الحرائق في الجسد الفلسطيني، ما انعكس على الفصائل الفلسطينية وتحالفاتها والتوجّهات السياسية المُتأرجِحة في برامجها التي غرقت في التنظير.

يشهد للمقاومة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية أنهما شكّلتا الواجهة الأولى للحفاظ على الحقوق الوطنية الفلسطينية، لكن الانحدار السياسي الذي أطلّ برأسه بعد العام 1982 بات معبراً تجاه الانعطافات القاتِلة التي لم تستدرك طيلة العقود الماضية. ولم يدفع إلى تقييم التجارب التي سوّقت لها القيادة الرسمية في منظمة التحرير وتحييد الشعب الفلسطيني عن دوره في أن يكون مرجعية وطنية.

المراجعة تبرز هنا لدراسة التراجع في مسيرة العمل والانتكاسات الخطيرة، ما يستدعي القراءة الوطنية العميقة التي لا تنتظر المزيد من الوقت. وهذه القراءة يجب أن تستند إلى الشراكة الوطنية الكلية بين الفصائل وجمهورها، وأن القرارات المُحنّطة التي يعتبرها البعض حكراً له وما على الشعب إلا "الامتثال" لم تعد صالحة وتعفّنت.

نحن اليوم أمام مُستجدّات خطيرة في استهداف القضية الفلسطينية وحق عودة اللاجئين، وخطورة الراهِن لا تحتاج إلى مؤتمرات واستجداءات سياسية والبحث عن مخارج آنيّة للإفلات من الضغوط الاقتصادية.

المخارج الحقيقية تقع على عاتق فصائل العمل الوطني وأن يُحدِّد بعضها أين موقعه، هل في حركة الشارع الوطني الفلسطيني أم في "المكاسب" السياسية والمُحاصَصة في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية؟

نعم منظمة التحرير هي المُمثّل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، لكن على أية أرضية نقف من هذا الثابِت الذي شوّهت فيه المفاهيم، وأصبحت المنظمة هدفاً لتمكين "الفصيل" ومُكتسباته من دون مراجعة شعارات التحرير.

لا طريق إلا بالعودة إلى أن فلسطين هي كل ذرَّة تراب.

هذا هو مشروع شعب فلسطين.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً