نور الدين أبو لحية

كاتب وأستاذ جامعي جزائري

العُلماء .. والفتنة

الأصل في الدور الذي يقوم به العلماء عندما تعصِف عواصف الفِتَن بمجتمعاتهم وبلادهم أن يقفوا موقف الحُكماء الذين يشخّصون أسباب الفِتَن، ليضعوا الحلول المناسبة لعلاجها.. وهي حلول ممتلئة بالحكمة والسلام.. تراعي الإنسان، وتراعي معه الأوطان..

راحوا يفتون بجواز الاستعانة بالذين كان يصفونهم بالأمس القريب أعداء وغرباء
راحوا يفتون بجواز الاستعانة بالذين كان يصفونهم بالأمس القريب أعداء وغرباء

الأصل في الدور الذي يقوم به العلماء عندما تعصِف عواصف الفِتَن بمجتمعاتهم وبلادهم أن يقفوا موقف الحُكماء الذين يشخّصون أسباب الفِتَن، ليضعوا الحلول المناسبة لعلاجها.. وهي حلول ممتلئة بالحكمة والسلام.. تراعي الإنسان، وتراعي معه الأوطان..


لكن واقع الكثير من العُلماء في ظلّ ما يسمّونه كذباً وزوراً [الربيع العربي] يقول غير ذلك تماماً.


لقد أصبح هؤلاء العُلماء مُشعلين للفتنة، بدل أن يكونوا مُطفئين لها.. ومُحرّضين للعامة بدل أن يكونوا موجّهين لهم.. ومُخرّبين للأوطان بدل أن يكونوا حريصين على سلامتها.

ولن تعوزنا الأمثلة الدّالة على هذا، فهي أكثر من أن تُحصى، ولكنا مع ذلك سنكتفي بمثالين يُدميان قلب كل مؤمِن، ويملآنه حزناً:


أما الأول فهو ليبيا .. فقد بدأت الأحداث فيها ـ كما نعلم جميعاً ـ سلمية في منطقة من المناطق، ثم تحوّلت بسرعة إلى ثورة عسكرية يواجه فيها المسلم أخاه، ويُدمّر بلده .. وكان في إمكان هؤلاء العُلماء حينها أن يُسرعوا إلى محل الفتنة وهي تشتعل ليُطفئوها بما أعطاهم الله من أنوار الحكمة، فيطالبوا الرئيس بالإصلاحات، ويطالبوا الرعيّة بالسلام والحوار ..


لكنهم لم يفعلوا.. بل تحوّلوا إلى ثائرين أكثر من الثوّار أنفسهم.. وكانوا مُتسرّعين مُمتلئين بالغرور.. ولهذا لم يكلّفوا أنفسهم إلا بالانضمام إلى مُعسكر الثوار، ثم الإفتاء على الملأ بهدر دم الزعيم .. وهم يعلمون بأن هذه الفتوى لن تزيد نار الزعيم إلا اشتعالاً.. فما الذي تنتظر من شخص تهدر دمه!؟


لم يكتفوا بهذا .. بل راحوا يفتون بجواز الاستعانة بالذين كان يصفونهم بالأمس القريب أعداء وغرباء.. راحوا يستجدونهم .. وينفون عنهم صفة [الصليبية] التي ظلّوا طول أعمارهم يصرخون بها، ويدعون الله أن يُجمّد عروق أهلها ..


ورأى هؤلاء العُلماء بعد ذلك كيف كانت الدماء تسيل .. وكيف كانت الخيرات تُنهَب .. وكيف كان الشعب يقتل بعضه بعضاً .. وكيف كانت الطائرات ترمي بالقنابل بمختلف أنواعها .. فلم يحرّك فيهم كل ذلك ساكناً، فقد كان لهم من الحدّة والشدّة ما يحميهم من آثار الانفعالات العاطفية.


حصل النصر الموهوم المزعوم .. ونشأت عنه أحقاد كثيرة وصراع طويل .. ولم يتراجع هؤلاء العُلماء، وهم يرون كيف تحوّلت بادية ليبيا الطيّبة إلى خراب ودمار .. بل راحوا يبحثون عن دور البطل في فيلم أكشن آخر .. واختاروا هذه المرة أرضاً أخرى.. أرضاً مُمتلئة بالبركات هي سوريا.


هم يعلمون أن في سوريا ـ كما في سائر بلاد المسلمين ـ عُلماء فحولاً لا يقلّون عنهم باعاً في العِلم والاجتهاد.. ويعلمون أنهم أدرى ببلدهم وبمصالحهم .. ويعلمون أن في سوريا نهضة اقتصادية وعلمية راقية .. ويعلمون مواقف سوريا العدائية لكل أعداء الأمّة، بل وقوفها المُمانِع في وجه كل محاولات التطبيع.


لكن هؤلاء العُلماء ــ نتيجة تسرّعهم وحدّتهم ــ لم ينفعهم ذلك .. بل راحوا ينعقون في خُطَبهم وبياناتهم مُحرّضين على الفتنة .. مُعتبرين أولئك العُلماء الكبار الذين تفخر بهم سوريا أبواقاً للسلاطين، ناسين أنهم صار بوقاً لأميركا ولإسرائيل ولكل أعداء الأمّة.


كان في إمكانهم، وقد أتيحت لهم الإمكانيات الكثيرة أن يذهبوا إلى سوريا، كما ذهبوا قبلها إلى أفغانستان من أجل تماثيل بوذا .. وكان يمكنهم بسهولة أن يلتقوا بالرئيس السوري .. ويسمعوا منه خطة الإصلاح.. ثم يصدروا بعدها بيانات الدعوة إلى الحوار والسلام والحكمة.. وتنتهي بعدها بسهولة الأزمة السورية.


لكن هؤلاء صرخوا بحدّتهم وشدّتهم المعهودة (لا حوار) مُتخلّين عن كل تلك المبادئ التي كانوا يصيحون  بها كل حين من أن الإسلام دين الحوار، وأن الله بعظمَته وجلاله حاور إبليس ..


لم يكتفوا بهذا.. بل راحوا يسعون لفيلم حربي جديد تقوده أميركا في المنطقة .. عملوا على هذا أشهراً طوالاً .. لكن هذا الحلم اصطدم بالفيتو الروسي والصيني .. فراحوا يفتون بمقاطعة البضائع الروسية والصينية، وهم يعلمون أن الناس إن لم يشتروا بضائع هاتين الدولتين فسيشترون بضائع أميركا وأوروبا وإسرائيل .. وهم في كل مراحلهم أعداء الأمّة الأوائل.


لم يكفهم هذا .. بل راحوا يصدرون فتاوى وبيانات بوجوب الجهاد في سوريا، وبإعانة الجماعات الإرهابية المسلّحة، لا بالمال وحده، بل بالسلاح أيضاً .. وهم يعلمون أن نتيجة هذا خطيرة جداً قد تمتد لأجيال طويلة .. لكنهم لا يُبالون بالنتائج، لأن عقلهم أضيق من أن يُفكّر في عواقب ما يصدرونه من الفتاوى والبيانات.


لسنا ندري ماذا سيفعلون بعد هذا .. لكنا نعلم أن عُمْر هؤلاء العُلماء إن امتد فستمتد أعناقهم إلى بلاد جديدة ليجعلوا من بلاد العرب والمسلمين أنهاراً من الأحقاد والضغائن والدماء.