نور الدين أبو لحية

كاتب وأستاذ جامعي جزائري

لماذا استهان الناس بالقتل؟

من الظواهر المتّفق عليها، والتي لا تحتاج إلى أدلّة تثبتها وتبرهن عليها ظاهرة الاستهانة بالقتل.. فقد أصبح شيئاً سهلاً هيناً، وصارت أخباره كسائر الأخبار لا تحدث في النفس ذلك الهلع والألم والحزن الذي كانت تحدثه إبّان كان الإنسان على الفطرة التي خلقه الله عليها.

ما الذي جعل البشر يقع في هذه الخطيئة العظيمة التي هي أعظم خطيئة على وجه الأرض، القتل!

نور الدين أبو لحية

فما سرّ ذلك؟ وما الذي جعل البشر يقع في هذه الخطيئة العظيمة التي هي أعظم خطيئة على وجه الأرض، فالإنسان بنيان الله وملعون من هدمه؟ والسؤال الأخطر من ذلك هو عن سر وجود هذه الظاهرة بين المسلمين الذين ينصّ كتابهم وسنّة نبيّهم على عظم هذه الجريمة وخطرها، فالقرآن الكريم توعّد القاتل المتعمّد بالخلود في النار بالإضافة إلى غضب الله عليه، ولعنه، قال تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً} [النساء: 93].

والنبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم اعتبر القتل من أعظم الجرائم، فقال: ( والذي نفسي بيده لقتْل مؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا) (النساء 7/82)، واعتبره من أول وأعظم ما يقضى به يوم القيامة، ليأخذ كل حقه، فقال: (أولُ ما يُحاسَبُ به العبدُ الصلاةُ، وأولُ ما يُقضَى بينَ الناسِ الدماءُ) (البخاري 9/3)، بل ذكر ما هو أخطر من ذلك، فقال: (لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يُصِبْ دماً حراماً) (البخاري 9 / 2)، لكن كل هذه التوجيهات وغيرها كثير لم يردع النفوس عن استساغة هذه الجريمة، والتهوين من شأنها، واعتبار قتل الإنسان شيئاً لا يختلف كثيراً عن قتل الذباب والبعوض والهوام.. فما سرّ ذلك؟

طبعاً.. ليس في طاقتي أن أجيب عن هذا السؤال الخطير، لأني لست محلّلاً نفسياً، ولا اجتماعياً، ولا خبيراً استراتيجياً، ولا عِلم لي بالطُرق التي يستعملها الشيطان لجرّ الإنسان إلى صفّه. ولكني أستطيع أن أذكر شيئاً حصل لي اليوم ربما يفيد الخبراء في التحليل والاستنتاج.. فقد خرجت من بيتي بعد أن قرفت نفسي من أخبار التلفزيون الممتلئة بأولئك الذين يكبّرون مستبشرين لكل دم يزُهق، ولكل بنيان يُهدَم، حتى حصل للبعض فوبيا بسبب التكبير.

في طريقي مررت على محل لبيع الجرائد، فأردت أن أشتري جريدة أتسلّى بها، وأنسى بها ما بثّته القنوات الفضائية، فقرأت بالبنط العريض في الصفحة الأولى من الجريدة: أم تقتل ولديها .. وولد يقتل أباه .. وأخ يحرق البيت على أخته وزوجها.. وهكذا .. فنفرت نفسي، وأعرضت عن الجريدة .. ورحت أبحث عن هواء نقي لم يتلوّث برائحة الدماء. فجأة سمعت صوتاً فصيحاً بليغاً ينطلق من المسجد، فاقتربت منه، وسألت عن صاحب الصوت، فأُخبِرت أنه داعية كبير جاءنا من تلك البلاد الممتلئة بالقداسة، ففرحت، وقلت لنفسي: ها قد أرسل الله لك من يُريحك من روائح الدماء.دخلت المسجد، وليتني ما دخلت .. فقد كانت روائح الدماء التي تنطلق من فم الخطيب أبشع من كل الروائح التي مررت بها ذلك اليوم.

لقد جاءنا هذا الخطيب من بلاد بعيدة لا لينشر فينا الورع والتقوى والإيمان والصلاح .. ولكن جاء ليهوّن في نفوسنا ما هو هين أصلاً.. لقد جاءنا يقصص علينا القصص كعادة الكثيرة من الخطباء في هذه الأيام.. ولا حرج عليه في ذلك فللقصص تأثيرها التربوي الكبير.. ولكن هذا الخطيب المحترم لم تكفه كل قصص القرآن الكريم المتّفق عليها، ولم يكفه الكثير من القصص التربوية التي كان النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم يربّي بها أمّته.. لم يكفه كل هذا، فراح يختار من الأحاديث حديث الذي قتل مائة نفس، وهو وإن قيل بصحته سنداً، فقد شكّك في صحّته متناً..
 

ولكن ليته اكتفى بقراءته.. بل راح ـ بما آتاه الله من فصاحة وبلاغة ـ يطنب في الوصف حتى حوّل من القاتل الذي تجرّأ على إزهاق أرواح مائة نفس كاملة رجلاً صالحاً، بل وليّاً من أولياء الله .. وأنه لم ولن يُحاسَب على كل ما اقترفه من جرائم..وأنه مباشرة بعد قتله للقتيل المائة، ثم عزمه على التوبة، وخروجه من بلده، وموته في الطريق سار مباشرة إلى الجنة.. وقد وكّل الخطيب نفسه محامياً عن هذا القاتل، فاعتذر له بكل صنوف الاعتذارات، وبيّن أن المشكلة ليست فيه، ولكن في قريته لم تعرف كيف تتعامل معه، ولذلك لم ينصحه العالم بأن يكفّر عن أخطائه في قريته، فيصحّح ما أفسده، ويدفع الديّات، ويردّ الحقوق، ويتكفّل باليتامى الذين كان سبب يُتمهم، وإنما نصحه بأن يخرج منها قبل أن يبيد أخضرها ويابسها.

وكان الخطيب منفعلاً في كل ذلك.. وكأن له علاقة نسبية بذلك القاتل.. أو كأنه قد ذاق من لذّة القتل ما ذاقه صاحبه، فراح يصف لنا جميل ما تذوّقه، وراح يمنّي نفسه بملائكة الرحمة الذين سيقبضون روحه كما قبضوا روح الإسرائيلي. لا أستطيع أن أنقل لكم كل ما قال في خطبته حتى لا تتأثّروا بها، وحتى لا أزيد في التهوين من أمر الأرواح فوق ما يوجد لديكم.. ولكني فقط سأذكّر بعض ما حصل بعد انتهاء خطبته.. فقد خرجت كما خرج سائر الناس، وقد لفت انتباهي رجلان يتحدّثان، قال أحدهما لصاحبه وهو يحاوره: (أرأيت .. لقد كدت تقتل نفسك ندماً لما فعلته من قتل خطأ.. وها هو العالِم الجليل قد وّضح لك أن الأمر أهون من أن يؤثّر فيك).. قال له صاحبه: (صدقت .. فمع أن ذلك الإسرائيلي قتل مائة نفس .. وعمداً .. ومع ذلك تجاوز الله عنه .. ولم يحاسبه .. ولم يخاصمه من قتلهم.. فكيف بي أنا.. وأنا لم أقتل إلا شخصاً واحداً.. ولم أكن أقصد قتله.. بل هو الُمتسبّب، فلولا أنه أغضبني ما فعلت به ما فعلت), م قال بعدها بحقد وجرأة: (يستاهل).

قال ذلك، ثم مضى مستبشراً، لأنه وجد من يدافع عنه بالمجان، بل وجد من يعطيه صك الغفران، ومعه مفاتيح الجنان. هذا بعض ما حصل لي اليوم أضعه بين يديّ الخبراء، لعلّهم يرون من خلاله بعض الأسباب التي جعلت دم الإنسان أحقر الدماء وأذلّها وأهونها.