حسني الخطيب

حاصل على درجة البكالوريوس في مجال العلوم السياسية والعلاقات الدولية من جامعة لاهاي الدولية، يكتب في مجالات مختلفة، لاسيما في ما يختص بذوي الإحتياجات الخاصة.

رعاية ذوي الاحتياجات الخاصّة

رعاية ذوي الاحتياجات الخاصة في المجتمع وإعطائهم حقوقاً تكفل لهم حياة إنسانية كريمة تمكّنهم من الاندماج في المجتمع والاستفادة من إمكاناتهم وقدراتهم مهما كانت، هذا الأمر سوف يساعد في إكسابهم الثقة بأنفسهم وإكساب المجتمع الثقة بهم، لأن عملية ندماجهم في المجتمع المدني تجعلهم يصبحون قادرين على ممارسة حقوقهم في العِلم والعمل والإنتاج والإبداع في هذا المجتمع، ما يثمر على المجتمع بكثير من الطاقة المبذولة من طرفهم.

تُعتبر رعاية الأفراد من ذوي الاحتياجات الخاصة وتأهيلهم وتدريبهم، رسالة سامية ذات أبعاد إنسانية
تُعتبر رعاية الأفراد من ذوي الاحتياجات الخاصة وتأهيلهم وتدريبهم، رسالة سامية ذات أبعاد إنسانية

بناء على الإحصاءات الصادرة عن الأمم المتحدة والمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، يُمثّل ذوو الاحتياجات الخاصة (المعوّقين) ما نسبته 10% - 15% من سكان العالم، وترتفع النسبة في العالم العربي ودول العالم النامي إلى أكثر من ذلك بقليل، وذلك تبعاً للظروف البيئية والسياسية وحالات الحروب، كما وتشير الإحصائيات أيضاً إلى أن نسبة كبيرة من هذه الفئة لا تتلقّى أو تحصل على الحد الأدنى من الاهتمام والرعاية والدعم والتوجيه والتربية والتعليم المطلوبة حتى تتحوّل إلى فئات مُنتجة ومُفيدة في المجتمع. 

هذا وتُعتبر رعاية الأفراد من ذوي الاحتياجات الخاصة وتأهيلهم وتدريبهم، رسالة سامية ذات أبعاد إنسانية شريفة ونبيلة، كما إنها تمثّل أحد المعايير الرئيسية والمهمة لتقدّم المجتمعات والدول في العالم الآن، فقضية الإعاقة بشكلها العام تحظى باهتمام كبير ومتزايد في دول العالم المُتقدّم، وذلك لأن نظرة هذه المجتمعات للإعاقة والمُعاقين تعكس حضارتهم وتقدّمهم.

فالأفراد من ذوي الاحتياجات الخاصة هم أمانة في عنق هذه المجتمعات كما أنهم أمانة في أعناقنا جميعاً، بحيث  لم تعد تقتصر رعاية المُعاقين الآن على مجرّد مساعدات مالية خيرية بسيطة والسلام، بل أصبحت قضية مهمة ورسالة اجتماعية سامية، تستلزم تضافر جهود كافة الأفراد والمؤسسات في المجتمع، بدءاً باتخاذ إجراءات في مختلف المجالات ودعم سياسات واقعية وجادّة خاصة بعلاجهم وتعليمهم وتشغيلهم، هذا بالإضافة إلى ضمان حقوقهم الإنسانية والصحية والتربوية والنفسية والاجتماعية، الأمر الذي سوف يساعد في تحسين حياتهم وتطوّرها بشكل واضح وإدماجهم في المجتمع بصورة سلِسة ومقبولة تكسبهم الثقة بأنفسهم وبالمجتمع. 

حالياً هناك اهتمام مُتنامٍ بقضية الإعاقة والمُعاقين عالمياً، خاصة من قِبَل المؤسسات الحكومية (الرسمية) وبالتعاون مع مؤسسات المجتمع المدني، والتي تعمل سوياً من خلال برامج تثقيفية على زيادة التوعية بقضية الإعاقة والمُعاقين في وسائل الإعلام المختلفة لتغيير النظرة والصورة السلبية لهذه الفئة، وذلك حتى تساهم وتساعد في الارتقاء في التعامل مع هذه الفئة ليصبح ذا أسلوب حضاري وإنساني مهذّب يعكس تقدّم ورقيّ المجتمع.

هذا وقد شهدت العقود الأخيرة تطوّراً سريعاً في مجال الاهتمام بالإعاقات، حيث أن هناك الآن العديد من المراكز والمؤسسات لرعاية المُعاقين بمختلف تخصّصاتها اللازمة لإعادة تأهليهم بالشكل المناسب، والتي تعمل على تقديم مجموعة من الخدمات التأهيلية والاجتماعية بما تتضمّنه من أنشطة وبرامج صحية ونفسية وتشغيلية واجتماعية وغيرها، بحيث تقدّم هذه البرامج طِبقاً لنوع ودرجة الإعاقة وتبعاً لطبيعة أهداف المؤسسة التي تقدّم خدماتها لهم، طبعاً على أن تقدّم هذه الخدمات بواسطة أناس مهنيين ومتخصّصين كل في مجاله، مُختصرة بذلك الكثير من الجهود المعنوية والمادية والتي كانت تُبذَل من دون طائل في الماضي نتيجة للجهل وقلّة الإمكانيات، حيث تستهدف تلك الخدمات مساعدة ذوي الاحتياجات الخاصة على تذليل الصِعاب التي تواجههم من خلال تغيير طريقة تفكيرهم واتجاهاتهم نحو الإيجابية عن الذات، ومساعدتهم على حلّ مشكلاتهم والنجاح في إكمال مهارات الحياة اليومية والعناية بأنفسهم.

كما ويجب النظر دائماً إلى أن تعليم وتأهيل ذوي الاحتياجات الخاصة ينبغي أن تكون له مدارس ومعاهد خاصة تراعي كل فئة منهم، فأصحاب مشكلة السمع يتم تعليمهم لغة الإشارة والقراءة والعمل وإعطائهم الفرصة للإبداع، وأصحاب مشكلة البصر يتم تعليمهم لغة بريل والتحدّث والسماع والتعامل مع المجتمع وإعطائهم مهام تناسبهم، أما من كانت المشكلة في عقله، فالمراكز المتخصّصة تدعمهم وتساعدهم في تجاوز تلك العقبة ليصبحوا فاعلين ومُنتجين في مجتمعاتهم، بحيث ينفعوا أنفسهم أولاً ويحقّقوا ذاتهم ويساعدوا مجتمعاتهم بعطائهم وإبداعهم ثانياً.

هذا ويجب العمل على كافة الأصعدة لإعطاء ذوي الاحتياجات الخاصة أياً كانت حالتهم الفرصة الكاملة للاختلاط والاندماج بالمجتمع والمدارس والمعاهد العادية، ليتعلّموا طريقة التواصل مع المجتمع ويبنوا شخصيتهم الخاصة ومهاراتهم الحياتية، وذلك حتى يشعروا بوجودهم ويحسّوا بأهميتهم في المجتمع.

أما البعض الذي يقول بعدم قدرة هذه الفئة على النجاح مع النقص الذي يملكونه، فالرد ببساطة هو أن على المجتمع أن يضعهم فقط في مكانهم المناسب من دون أية نظرة احتقار أو تقليل، وسيرى كيف أن كل من تعلّموا من هذه الفئة أثبتوا وجودهم بقدرة عالية واستطاعوا خوض مضامير الحياة والإبداع فيها، فكم نسمع عن مُصاب بفقد البصر حفظ القرآن وأتقنه بصوته الجميل ويؤمّ الناس هنا وهناك، وعن مُصاب بفقد قدميه ولكنه مصوّر بارع من فوق كرسيّه المتحرّك، يسجّل أفضل الصوَر ويحقّق أفضل الجوائز، وذلك كما سمعنا عن بيتهوفن ذلك الأصمّ الذي أسمع العالم أعظم المقطوعات الموسيقية، والتي لم يستطع أهل السماع حتى اليوم أن ينتجوا مثلها، كما لا ننسى دافنشي ذلك المُصاب بالمرض العقلي (الديسلكيا) الذي أدهش العالم برسوماته الشهيرة بالغة الإتقان ومثله نيوتن المُصاب بنفس مرض دافنشي والذي وضع للعالم قوانين في الفيزياء والحركة، والأمثلة تطول وتطول، فما نقدّمه لهم من رعاية وعِلم سوف يعود حتماً على المجتمع بالعمل والإبداع.

أخيراً نقول إن رعاية ذوي الاحتياجات الخاصة في المجتمع وإعطائهم حقوقاً تكفل لهم حياة إنسانية كريمة تمكّنهم من الاندماج في المجتمع والاستفادة من إمكاناتهم وقدراتهم مهما كانت، هذا الأمر سوف يساعد في إكسابهم الثقة بأنفسهم وإكساب المجتمع الثقة بهم، لأن عملية ندماجهم في المجتمع المدني تجعلهم يصبحون قادرين على ممارسة حقوقهم في العِلم والعمل والإنتاج والإبداع في هذا المجتمع، ما يثمر على المجتمع بكثير من الطاقة المبذولة من طرفهم.