قانون يعاقب المفارقين!

الفراق ليس حكراً على العشاق.. هو مادة دسمة تتغلغل في أحشاء يومياتنا، مذ فارقنا مقاعد الدراسة، منذ لوّحت لنا الطفولة بعيداً وأعطتنا دور الكبار، مذ قرعت طبول الحرب في آذان عالمنا.. أطفال يفارقون الحياة بحضور أغلى أنواع القذائف.. وأمهات يمتن وهنّ على قيد الحياة.. وشباب يقطف الرحيل أجمل ما في ربوع شبابهم.. ويتركوننا خلفهم للحزن والبكاء.. أليس هذا موتاً؟ بلى بل أشدّ وأدهى..

هناك العديد من المواقف تلبس لبوس الموت.. لكنها ليست هو.
فاطمة خليفة

"الأشياء المتلاصقة" عبارة عن التحام جزئين أو أكثر من أي مادة من "المنظومة الشيئية" ما يعني أن المادتين أصبحتا "مادة واحدة" وبالتالي "شيئاً واحداً". لو جئت بقطعتين - من الخشب –على سبيل المثال- وزرعت في أحشاء إحداها مسماراً لتحولهما لقطعة واحدة، وحاولت فصلهما بعد ذلك لأي سبب من الأسباب، كيف ستتصرف؟ ستضطر من دون شك لأن تطرق على صدر الخشبة وتنزعها عن قرينتها.. ستسمع بأذنيك صوت الانفصال.. وستخسر بالتالي إحدى الخشبتين أو كلتاهما شيئاً من رذاذ ما صنعت به.. لاحظ معي كيف أن ورق الشجر يصدر حفيفاً عند مغادرته الغصن، كيف أنّ الغيم يصير رمادياً قبل أن يفارقه المطر، أتكلم هنا عن المادة.. عن كل ما له شكل وحجم، ما بالك بالأرواح؟ 


بحسب نظرية الفيلسوف الألماني "نيتشه" فإنه "لا يمكن النضوج وتحقيق الذات من دون جرعات من الألم والمعاناة"، ويقول نيتشه إن "المصدر الأكبر لسعادتنا يقطن قريباً جداً من مصدر أعظم آلامنا"، وفي كتابه "العلم المرح" يؤكّد الأخير أن "المتعة والألم مرتبطان بقوة معاً، ومن يريد أكبر كمية ممكنة من المتعة عليه أن يقبل بكمية تساويها من الألم"، ما يعني أن الألم يشكّل المسار الطبيعي لدورة الحياة؟ ربما، على السهم أن يفارق القوس لكي يصيب، والبشر لن يتمكنوا من معرفة الطريق الصحيح إن لم يخوضوا غمار الطريق الخاطئ. الثمن الذي تدفعه مقابل أن تصير "ناجحاً ذا تجارب فاشلة" غالٍ جداً، كالألم، والفراق، وربما الموت.

  

ما قهر الإنسان على وجه الأرض شيء مثلما قهره بالموت، وفي هذا الأمر آيات وعبر تطول. الموت هو الحقيقة المطلقة التي لم يسلم أحد من "خيرها وشرها". لم نرَ من عاشوا قبلنا بمئات السنين ولن نرى من قد يعيشون بعدنا. جيل يطوي روح جيل برفق.. وهكذا دواليك. نحن لم نختر الموت "الحقيقي"، ولو كان خياراً لما اختارناه، هو لزام علينا.. لزام عليك أن ترى موت أُمك يوماً وإن لم تفعل.. فإن أمك هي من ستشهد موتك، وبعد الأم تكرّ سبحة الذين نخسرهم ويعنينا فقدهم في الصميم.. من العائلة وصولاً لعابر سبيل مرّ في حياتك يوماً.. وهكذا. جميعنا قلنا في الصغر إن من نحبهم لا يموتون.. أما الحقيقة فقالت غير ذلك.. ولكلمتها حدّ السيف الذي قطّع أوصال أفراح الكثيرين.. ولكن هل سمعت يوماً عن الموت الذي نختاره؟

هناك العديد من المواقف تلبس لبوس الموت.. لكنها ليست هو.. أي أن هناك مواقفَ نسميها موتاً.. والفراق إحداها.. أما رأيت يوماً عاشقاً يفارق معشوقته وملامحه تنضح بكل أنواع الآلام؟ كيف يقول لها بكل ما أوتي من حُبّ أنْ قفي ها هنا لا تذهبي سأموت؟ صحيح أنه لا يموت فعلياً لكنه يذوق من طعم الموت شيئاً، وكذا فراق الأحبة والأصدقاء. مساكين نحن البشر، عند كل عتبة موقف حزين يموت جزء منّا "حتى يأتي الموت ويقضي على ما تبقى من الأجزاء".

   

الفراق ليس حكراً على العشاق.. هو مادة دسمة تتغلغل في أحشاء يومياتنا، مذ فارقنا مقاعد الدراسة، منذ لوّحت لنا الطفولة بعيداً وأعطتنا دور الكبار، مذ قرعت طبول الحرب في آذان عالمنا.. أطفال يفارقون الحياة بحضور أغلى أنواع القذائف.. وأمهات يمتن وهنّ على قيد الحياة.. وشباب يقطف الرحيل أجمل ما في ربوع شبابهم.. ويتركوننا خلفهم للحزن والبكاء.. أليس هذا موتاً؟ بلى بل أشدّ وأدهى.. عندما يرحل جارٌ سكن بجانبك عمراً.. جارٌ قاسمك الرغيف والدمعة.. أو حينما يغادرك صديق أعاناك بحبه على رفع ثقل الأيام، عندما يغادرك "ملهماً" أعطاك كل ما في جعبته من معارف، مسك بيدك ووضعك على الطريق الصحيح.. وقرر في لحظة "اختيار" تركك لإكمال الطريق وحيداً.. أليس لهذا "الانفصال" طعم غير شهي و"مؤذٍ" يضعه المفارقون على مائدة الغياب؟

 

ألا يوجد قانون يقول للمفارقين تعالوا.. لا يحق لكم أن تنسجوا خيوط الأمل ثم تقطعوها.. لا يحق لكم أن ترسموا فرحة اليوم وتهدموها غداً.. فيسجن الجار.. ويعود الصديق.. ويعاقب "الملهم"؟ تخيّل لو أنّ جموع المفارقين عادوا إلى حياتنا، فلا أخ في الغربة ولا صديق في غياهب الغياب.

 

نحن لا نستطيع إيقاف الموت المحتوم صحيح... لكننا نستطيع أن نخفف من أشكاله، ..أن نكتم صوت الغصة ونقلل ملح الدمعة، بإمكاننا أن نحافظ على متانة علاقاتنا فلا نهدر جمالها سُدى، ولا نشهر سيف الغياب بوجهها، ألا توجد طريقة يعاقـِب بها المحبون بعضهم البعض دونما غياب؟

   

نحن نتألم إن فارقنا سريرنا، أشياءنا، أحباءنا، علاقاتنا، نحن نحزن إذا تركنا نهاراً جميلاً أو فاتتنا ليلة سعيدة.. هي هشاشتنا الداخلية نحن البشر، ضعيفون لدرجة أنّ لقاءً يحيينا، وفراقاً يضنينا.. المشهد هنا ليس سريالياً.. هذه الحقيقة.. لذا نحن نكره الفراق.. ويحزننا أمر الفاقدين.. 


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
فاطمة خليفة

صحافية وكاتبة لبنانية. انضمت إلى الميادين نت عام 2016.

إقرأ للكاتب

كيف تدفئ الأم صقيع المسافات في الحجر؟

هل علينا أن نهدي أمهاتنا هذا العام كمامة ومعقماً أو نحجر أنفسنا كي لا يصيب الوباء قلوبهن؟ فيروس...

هل أنهت إيران مفاعيل الغطرسة الأميركية؟

يعتبر رواد مواقع التواصل الاجتماعي أن الردّ الإيراني اليوم جاء نتيجة الضغط الشعبي الذي مارسوه...

الرايات الحمر.. إنذار ثأر محتوم؟

صورة الرايات الحمر تظلل سماء المنطقة المكفهرة هذه الأيام. سننتقم. عبارة تقرأها وتسمعها وتشعر بها...

ماذا لو لم يكن سليماني؟

رحل سليماني وقد أنجز ما عليه، لم تحتج سوريا والعراق الأعوام الثلاثين لتحريرها، ودمرت أقفاص...

كيف يربط التكافل ما قطعته الحرب؟

دهاليز التطور ولعبة الأرقام حوّلت الإنسان إلى آلة، تصرفاتها مفهومة، وردّات فعلها متوقعة، لكنّ...

لماذا يعتبرُ اللبنانيون فيلتمان "سفير الفتنة في لبنان"؟

السفير الأميركي السابق في لبنان والذي اعتاد اللبنانيون على تسميته ببوق الفتنة، يعود للظهور...