عقل صلاح

كاتب فلسطيني وباحث مُختص بالحركات الأيديولوجية

انتخابات حركة حماس الداخلية

حركة حماس كغيرها من الحركات الإسلامية التي اتخذت الإسلام منهج حياة لها، تحتاج آلية إجراء الانتخابات الداخلية فيها للدراسة، بالرغم مما يكتنف تنظيمها الداخلي من تعقيد وغموض، لأن الحركة ترفض إعطاء معلومات حول نظامها الداخلي وهيكلها التنظيمي، لذلك في ما يتعلق بهذا الجانب سيتم الاعتماد على تصريحات قادتها وما تناولته وسائل الإعلام حول انتخابات الحركة الأخيرة.

  • انتخابات حركة حماس
حركة المقاومة الإسلامية "حماس" هي فرع من أفرع الإخوان المسلمين في العالم، التي بدأت كحركة دعَوية اجتماعية هدفها نشر الهوية الإسلامية بين الأجيال الشابة من خلال الحلقات والندوات الدينية في المساجد، وخلال هذه المرحلة من عمر الحركة لم تمارس الحركة أي عمل مقاوم ضد الاحتلال الصهيوني، وإنما كانت منشغلة بالحشد والتعبئة وبناء مؤسساتها. ومن ثم تطوّر عمل الحركة مع اندلاع الانتفاضة الأولى لتنخرط في العمل العسكري أسوة بباقي فصائل منظمة التحرير الفلسطينية وحركة الجهاد الإسلامي، من خلال ظهورها باسم جديد "حماس". وهناك تفسيرات عدّة لإطلاق اسم جديد على الحركة وعدم دخولها ساحة الجهاد باسم الإخوان المسلمين.

ومن ثم أصبحت "حماس" قوة أساسية على ساحة المقاومة الفلسطينية منافسة للتنظيمات الفلسطينية، فتعرّض قادتها للاعتقال والإبعاد والاغتيال كردّ على العمليات الفدائية التي قامت بها الحركة. ما رفع من رصيد الحركة الشعبي وغيّر من نظرة المجتمع الفلسطيني لحركة الإخوان التي ظلّت عازفة لمدّة عقدين من الزمن عن الجهاد ضدّ الاحتلال الصهيوني. وبعد انطلاق الحركة أصدرت ميثاقها الذي يعتبر المرجعية الرئيسية للحركة، والذي وضّح بشكل جليّ أسباب وجودها، وأصولها، وأهدافها، وأيديولوجيتها، وعلاقتها بالغير، وموقفها من أرض فلسطين ومن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

وحركة حماس كغيرها من الحركات الإسلامية التي اتخذت الإسلام منهج حياة لها، لذلك سنقوم بدراسة آلية إجراء الانتخابات الداخلية، بالرغم مما يكتنف تنظيمها الداخلي من تعقيد وغموض، لأن الحركة ترفض إعطاء معلومات حول نظامها الداخلي وهيكلها التنظيمي، لذلك في ما يتعلق بهذا الجانب سيتم الاعتماد على تصريحات قادتها وما تناولته وسائل الإعلام حول انتخابات الحركة الأخيرة.

آلية إجراء الانتخابات الداخلية لحركة حماس:

الإنتخابات الداخلية: فلدى حماس نظام داخلي دقيق ينظمها، ويحدّد بشكل دقيق آلية إجرائها ما يضمن ضبط العملية الانتخابية بشكل محكم وملزم لجميع أعضائها باستثناء الجهاز العسكري، وهناك لجان إشرافية ورقابية تتابع العملية الانتخابية بمهنية عالية، كما أن نظام الحركة الداخلي يحدّد الصلاحيات في المستويات القيادية والشورية. 
وتجري الانتخابات الداخلية للحركة في أجواء من السرية والكتمان تشمل المواعيد وآليات الانتخاب، بناءً على تصريح القيادي محمود الزهّار في ما يتعلق بالانتخابات الداخلية للحركة بأن "هذا الملف سرّي، وليس من مصلحة أحد أن يعرف إلى أين وصل سوى الاحتلال". ولا يسمح بالمشاركة سوى لأصحاب الرتب التنظيمية وهم يمثلون ما يقارب 30% من مجمل قاعدتها . 
وانتخابات الحركة بالرغم من كونها سرّية، إلاّ أنها تجري بصفة دورية وفقًا للقيادي خليل الحية " نحن نجري انتخابات دورية منذ عشرات السنوات".

والانتخابات الداخلية للحركة تجري من القاعدة إلى القمة، فتجري أولًا على مستوى المناطق المحلية لاختيار القادة المحليين، ثم على مستوى الإقليم لاختيار ممثليهم في قيادات المناطق السياسية، ومن ثم تقوم القيادات السياسية ومجلس الشورى باختيار أعضاء المكتب السياسي للحركة من قادة المناطق، وللمرأة دور في إطار قيادة الحركة، من خلال التنظيم النسائي فيها، وهناك مقاعد للمرأة في إطار الحلقة القيادية العليا للتنظيم. ويتم الاختيار بناءً على أسس متعدّدة تتعلّق بالجغرافيا والمصلحة التنظيمية واللوائح.

إن انتخابات الحركة الداخلية تأخذ وقتاً طويلًا لحين حسم نتائجها بسبب توّزع القيادات بين الداخل والخارج والسجون، فمن الممكن أن تصل حتى عام كامل كما حدث في الانتخابات السابقة. فحسب محمّد جمعة فإن الجدل بشأن رئيس المكتب السياسي استغرق نصف الفترة الزمنية التي استغرقتها كل العملية الانتخابية. فقد كانت هناك منافسة شديدة حول رئاسة المكتب السياسي بين مشعل من قادة الخارج، وهنية وأبو مرزوق من قادة الداخل التي حسمت لصالح مشعل رئيساً للمكتب وهنية نائبه في عام 2012.

ولكن القيادي صلاح البردويل ينفي وجود ما يُسمّى بالترشّح أو المنافسة في اللوائح الداخلية للحركة، وأن مجلس الشورى هو من يختار رئيس المكتب السياسي، فالمجلس يقوم خلال اجتماعه بالتزكية والذي يتم تزكيته خلال ذلك الاجتماع يتم انتخابه بطريقة ديمقراطية من خلال أعضاء المكتب السياسي للحركة. إلا أن القيادي أحمد يوسف صرّح قبل انتهاء الانتخابات لعام 2012 بأن " مشعل لا يزال المرشّح الأكثر حظاً لاحتلال منصب رئيس المكتب السياسي العام، أمام منافسه ونائبه الدكتور موسى أبو مرزوق" مضيفاً بأن" انتخاب المكتب السياسي وأعضائه يتم في جلسة لمجلس الشورى العام" فوفقًا لجريدة الزمان برز خلال اجتماع القاهرة فريقان، فريق يرى ضرورة إعلان فوز مشعل بالتزكية وفريق يصرّ على إجراء عملية الاقتراع، ويبيّن نفس المصدر أن النظام الانتخابي لحماس يمنع القادة من ترشيح أنفسهم في حين يقوم مجلس الشورى والمكتب السياسي بانتخاب من يروه مناسباً. 
ولكن النظام الداخلي للحركة ينصّ على وجوب الاقتراع في حال وجود أكثر من مرشّح، فأوردت وكالة فلسطين برس للأنباء أنه حصل اقتراع على المرشّحين الثلاثة ففاز مشعل وهنية بالعدد الأكبر من أصوات مجلس الشورى، ومن ثم حصرت المنافسة بينهما ففاز مشعل بفارق سبعة أصوات.

ومن جهة أخرى بيّنت الجزيرة نت أن انتخابات رئيس المكتب السياسي لم تشهد تقدّم أحد للترشّح من تلقاء نفسه وإنما جرى الأمر عبر ترشيح عضو لأحد زملائه على أن يحظى هذا المرشّح بتزكية آخر فيصبح مرشّحاً رسمياً، فقد انتهى الأمر إلى ثلاثة مرشّحين هم مشعل  وهنية وأبو مرزوق، وحسم الأمر بتنازل الأخيرين ليتم اختيار مشعل بالتزكية.

ويقضي النظام الداخلي للحركة بانتخاب رئيس المكتب السياسي من أعضاء المكتب السياسي أنفسهم، ثم يتم إقرار انتخابه من قِبَل مجلس الشورى العام، ويحقّ لمن يتم اختياره إبداء الرغبة أو رفض قبول الترشّح . ويمنع النظام الداخلي المرشّحين من الترويج لأنفسهم باستخدام الدعاية الانتخابية، أو تأليف تكتلات وتحالفات وقوائم انتخابية، لكن الانتخابات الأخيرة شهدت خروقاً واضحة استدعت تأسيس محكمة حركية للنظر في الطعون، وصلت إلى حد اتهامات بتقديم رشاوى .

أما بالنسبة إلى فوز مشعل برئاسة المكتب السياسي للدورة الرابعة على التوالي، بالرغم من تصريحاته سابقاً بعدم ترشّحه مجدّداً لهذا المنصب، إلا أن قادة ورموز الحركة تمنّوا عليه العدول عن موقفه وترك الأمر لمجلس الشورى، فقيادة الحركة تعتبر أمر تنحي مشعل عن منصبه شأناً عاماً تقرّر فيه مؤسسات الحركة وليس شأناً شخصياً خالصاً، مع أن النظام الداخلي للحركة يحظّر من استمرار قيادي في منصبه لأكثر من دورتين متتالتين، وكل دورة مدتها أربع سنوات . 
لقد تم التوافق في الانتخابات الأخيرة بالنسبة لتشكيل المكتب السياسي على عدم إقصاء أي عضو من أعضاء المكتب السياسي، لكن التغيير شمل فقط أعضاء القيادة التنفيذية للمكتب السياسي. وهنا يبرز سؤال هل سيرشّح خالد مشعل نفسه للدورة الخامسة لهذا العام؟ أم إن انتخابات رئاسة المكتب السياسي حُسمت لصالح الشيخ اسماعيل هنية؟

إن المعطيات تؤكّد أن انتخابات رئاسة المكتب السياسي حُسمت لصالح هنية ابتداءً من كون هنية نائباً لمشعل في الدورة السابقة وما لقطاع غزّة من ثقل في اتخاذ القرار، وسفر هنية والتعامل معه من قِبَل قطر ومصر واستقباله استقبال كبار الشخصيات واتصالاته مع تركيا وغيرها من الدول لحل مشاكل الكهرباء وبقية مشاكل القطاع. واذا تحقّق ذلك سيكون اسماعيل هنية من القطاع رئيساً للمكتب السياسي وسوف يتم انتخاب نائب له من الخارج ويرجّح أن يكون الشيخ الأسير المحرّر صالح العاروري وهو محسوب على الضفة الغربية ويحظى بشعبية عارمة في الحركة وله مكانة كبيرة عند الأسرى والجناح العسكري الذي يُعتبر هو أحد مؤسسيه. 
ورئيس مجلس الشورى سيكون من القطاع ومرجّح أن يكون الدكتور أحمد بحر، مع العِلم أن رئيس المجلس التشريعي الدكتور عبد العزيز دويك من الضفة الغربية

وفي حال عدم تمكّن الحركة من إجراء الانتخابات تلجأ إلى التعيين، كما حدث في الانتخابات الأخيرة فلم تستطع الحركة إجراء الانتخابات في الضفة الغربية بسبب الوضع الأمني وملاحقة قياداتها من قِبَل إسرائيل والسلطة الفلسطينية  ، لذلك قامت الحركة بتمثيل إقليم الضفة الغربية في مجلس الشورى العام للحركة من خلال تعيين 15 عضواً من الأسرى المحرّرين في إطار صفقة تبادل الأسرى الأخيرة من أبناء الضفة الذين يمثلون كل محافظاتها والذين أُبعدوا إلى قطر وسوريا وتركيا.

انتخابات هيئة أسرى حماس في السجون الإسرائلية:

أما في السجون الإسرائيلية فتعقد الانتخابات مرة كل عامين، لانتخاب هيئة قيادية عليا لها. ويتم اختيار أعضاء الهيئة عن طريق الانتخاب، الذي يبدأ باختيار 360 عضواً ضمن شروط خاصة مثل تاريخ الانضمام للحركة وتاريخه النضالي وغيرها، من قبل المعتقلين في كل السجون، ليتم انتخاب مجلس شورى عام يتكوّن من 51 عضواً، ومن ثم ينتخب 15 عضواً للهيئة القيادية العليا، ويقوم أعضاء الهيئة بانتخاب أمير ونائب أمير للهيئة، ومن ثم يتم توزيع الحقائب على باقي الأعضاء حسب الكفاءة . 

وقد تم انتخاب أسيرة ضمن الهيئة القيادية للأسرى من دون أن تكون هناك كوتا نسائية . ولقد أنهى أسرى حركة حماس في السجون الإسرائيلية انتخاباتهم الداخلية لهذا العام، وتم انتخاب الأسير محمّد عرمانة رئيساً للهيئة والأسير عباس السيّد نائباً للرئيس وانتخبوا أعضاء الهيئة القيادية العليا المكوّنة من الأسير أحمد القدرة، والأسير محمود شريتح، والأسير عثمان بلال، والأسير منير مرعي، والأسير سلامة القطاوي، والأسير معمّر شحروري، والأسير بلال البرغوثي، والأسير إسلام جرار، والأسير أشرف زغير لدورة 2017/ 2019 .

يُبيّن الباحث من خلال اطّلاعه على ما توافر من معلومات حول العملية الانتخابية للحركة أنها تتم من القاعدة للقمة. وفي ما يتعلق بانتخابات أسرى حماس فلا تتّصف بالسرّية كالانتخابات الخارجية للحركة ولذلك بسبب تواجد الأسرى في سجون محصورة ما يتوجب على القيادة أن تكون علنية لتمثيل الأسرى أمام إدارة السجون، وللتنسيق مع باقي التنظيمات داخل السجون. 
أما في ما يخصّ انتخابات المكتب السياسي فلا يوجد تنافس ولا ترشيح للأعضاء لرئاسة المكتب السياسي، وإنما أعضاء مجلس الشورى يقومون بتزكية أحد الأعضاء وفي حال تزكية أكثر من عضو يتم الاقتراع بالتصويت من قِبَل أعضاء الشورى وحسم الأمر لصالح العضو الحاصل على عدد أصوات أكثر. ويتم اختيار رئيس المكتب السياسي من أعضاء المكتب السياسي، وهذا ما حصل في الدورة الانتخابية الأخيرة.

الخلاصة:

يتبدّى مما سبق أن حماس تتّخذ من الانتخابات منجهاً لها وتقوم بإجرائها بصورة دورية بالرغم من الواقع الصعب الذي تعيشه الحركة وانقسامها بين الداخل والخارج إلاّ أن هذا لم يمنعها من ممارسة الديمقراطية الداخلية المتمثّلة باختيار قادتها وأعضائها في الانتخابات التي تجري من القاعدة وصولاً لرأس الهرم. فيؤكّد مشعل أن "انتخابات قيادة الحركة تمت بآليات ديمقراطية عالية ومُقدرة: ترسم الطريق، وتضع الخطط، وتحدّد البوصلة، وقد شاركت فيها جميع مستويات الحركة من القاعدة إلى القمة، ما يعني أن حماس خاضت عملية ديمقراطية متكاملة الأركان في شكلها ومضمونها ونتائجها". 

وفي نفس السياق يُبيّن حسن أبو حشيش "أنه بالرغم من كون حماس حركة سرّية لها خصوصيتها وبالرغم من كثرة الموانع الأمنية واللوجستية التي تحول دون أية ممارسة ديمقراطية، إلا أن الاجتماع الذي عُقد في القاهرة يُدلّل على أن حماس حركة شورية ديمقراطية".

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً