سهى صباغ

كاتبة لبنانية

ناجي العلي رسم كاتم صوته ليبقى صوته مرفوعاً

نقول لناجي، العرب الذين انتقدتهم لم يتغيّروا بل وضُحَت صورتهم أكثر. مَن باع فلسطين لا زال يجاهد كي تلفظ أنفاسها الأخيرة. الإسرائيلي، لا زال يقتل أولاد فاطمة، بطلة رسوماتك. الرجل الطيّب الذي يحضن ولده الشهيد لا زال قميصه مُلطَّخاً. ولا زال الزوجان الطيّبان مُصرّين على الصمود، وهما يُمثّلان الشعب في الداخل.

27 عاماً على غياب ناجي العلي
27 عاماً على غياب ناجي العلي

لن نكون أوفياء للشاعر، لن نبكي على أطلال ناجي العلي. بل سننظر إليه راضين لما أنجزه في حياته. وقفة عزّ كانت حياته. قطّرت فرشاته همّ ومعاناة الشعب الفلسطيني بل العربي، اللذين لا بدّ سبّبتهما الأنظمة العربيّة إلى جانب العدوّ الإسرائيلي، غير الراضين أبداً عمّا رسمه. رسوماته كطعنة خنجرهم في خاصرة الوطن، يردّها إليهم، إنّها مرآتهم. 
الرجل كان رجلاً، قال كلمته ورحل مضرّجاً بالدماء التي لم تفرق عن الحبر الذي به رسم. لا نبكي الأوفياء لقضيّتهم فقد أورثنا صوتاً لا يموت. قبل أن يمشي رسم كاتمَ الصوت الذي قتله، ليبقى صوته مدوياً ساخراً من قاتِله. صوته بقي بعد 29 عاماّ على اغتياله طالما رسوماته باقية، ولا تزال تعبّر عن واقعنا الآن. قال كل ما وجب قوله ورحل مرتاح الضّمير. 
مرّ مرور فنان حقيقي متحدِّث باسم شعبه، باسم الإنسان والإنسانيّة ولا ينام على حقّه بالتعبير. قالوا اغتاله الموساد، لكن هناك من آخر لم يكن بريئاً أيضاً، هذا ما أسمعه بهمسات من هنا وهناك، فالزّعيم العربي كالفيلم المكسيكي "أنت أو لا أحد" ولينفي ذلك من يعترض. نعم أقف أمام رسومات ناجي العلي، وأقول ما لم يجرؤ على قوله مَن كان قريباً أو صديقاً أو حتى مُحلّلاً أو..


نقول لناجي، العرب الذين انتقدتهم لم يتغيّروا بل وضحت صورتهم أكثر. من باع فلسطين لا زال يجاهد كي تلفظ أنفاسها الأخيرة. 
الإسرائيلي، لا زال يقتل أولاد فاطمة، بطلة رسوماتك. الرجل الطيّب الذي يحضن ولده الشهيد لا زال قميصه مُلطَّخاً. ولا زال الزوجان الطيّبان مُصرّين على الصمود، وهما يمثّلان الشعب في الداخل. شعب يدافع عن الأرض ويتصدّى للعدوّ بصدره الأقوى من سترة واقية. 
ويا ناجي العلي، القيادات المنقسِمة التي انتقَدتها لا زالت منقسِمة، ولو بقي الشعب في سجن كبير ولو اعتصم الأسرى إلى الأبد أو ماتوا، ولو بقي أهلهم يعيشون على أنقاض بيوتهم كل الحياة، وهم في بيوتهم دافئين متخمين مطمئنّين. 
يستقوي العدوّ الإسرائيلي طالما القيادات تُجهِض قوّة وإرادة شعب. هل وظيفتهم أن يعملوا قياديين مُنقَسمين أمام عدوّ كان ليكون خسعاً لولا انقسامهم؟ كل ما أقوله مستوحى من رسوماتك، ناجي العلي.


رسوماته كانت بيانات يوميّة ولا زالت

حنظلة
حنظلة

للجيل الجديد الذي لا يعرف ناجي العلي، فهو رسّام كاريكاتور، عبّر من خلال رسوماته عن واقع يعيشه بلده فلسطين المُحتلّة من قِبل العدوّ الإسرائيلي، بل كان أكثر من فلسطيني، فهو اقترب من حركة القوميين العرب وتأثّر بفكرهم، ليتّسع حجم الوطن ويصبح الوطن العربي بأكمله، وكان المدّ القومي والناصري في السبعينات من القرن الماضي، يملأ الحياة السياسيّة في المشرق. 
نزح مع أهله عام 1948 وهو في العاشرة من عمره باتّجاه جنوب لبنان، ليستقرّوا في خيمة صغيرة في مخيّم عين الحلوة. ساعد والده ببيع الخُضار وقِطاف الليمون. 
درس لاحقاً الميكانيك وحصل على شهادة دبلوم، لكن موهبته في الرسم جعلته يدخل كليّة الفنون الجميلة في بيروت. لم يتمكّن من إكمال دراسة الفنون بسبب ملاحقته المستمرّة من قبل الشرطة اللبنانيّة ودخوله عدّة مرّات إلى السجن. عمل مدرّساً للرسم في الكليّة الجعفريّة في صور لمدّة ثلاث سنوات. 
أُعجِبَ به الكاتب الفلسطيني غسان كنفاني، ونشر له بعضاً من رسوماته في مجلّة المُحرِّر، وعام 1963 سافر إلى الكويت وعمل في مجلّة الطليعة، انتقل بعدها إلى جريدة السياسة، وبقي فيها حتى عام 75، حين عرض عليه العمل في جريدة السفير. 
كانت رسوماته عبارة عن تقرير يومي لما يجري من أحداث ويعبّر عن عذابات الإنسان الفلسطيني والعربي وينتقد فساد سلطته التي لا زالت مخلصة لفسادها حتى يومنا هذا، بل اتّضحت الصّورة الآن أكثر. إن اطّلعتم على رسومات ناجي العلي في اليوم الحاضر، ستجدون أن لا شيء تغيّر مما كان ينتقده ويعبّر عنه وللأسف. 


في عصر تسطيح الذوق العام، قناة الميادين تُعيد صوت ناجي العلي

هُدِّد ناجي العلي بالتّصفية، عدّة مرّات من أولئك المُتضرّرين من رسوماته الكاريكاتوريّة، إلى حد إطلاق النار على جريدة السّفير، وفي مرّة أخرى، هُدِّد بحرق أصابعه بالأسيد، فردّ أن لو فعلوا سيرسم بأصابع قدميه. 
نسأل الآن بمرارة، أين أصبح الفنانون والمثقّفون وقد تحوّلوا إلى تابعين أو إلى صُم ٍوبُكم ٍوعُميان، بدلاً من أن يكونوا قُدوة لشعبهم، وأصحاب مواقف جريئة تمتثل بهم الأجيال، طبعاً رغم أن لا زال هناك من مُبدعين مُخلصين للوطن وللإنسان، لكن تعوّدت مافيات الإعلام التعتيم عليهم وكَتم أصواتهم وهم أحياء. مَن يرغب أن يخوض الطريق التي مشي فيها ناجي العلي فالسّاحة مفتوحة له، لكنها ليست مزروعة بالورود.

ناجي العلي كان يتمتّع بموهبة عالية بالرسم. يتّقن سرّ اللوحة التشكيليّة، ورسمته لوحة مُصغَّرة، عناصرها موزَّعة بشكل متماسك تشكّل تأليفاً جميلاً، شخصيّاته التي رسمها وخاصّة التي تكرَّرت في رسوماته، تعبّر عن بيئته بعمق ٍوبتعبيريّة مُلفِتة. 
يمتلك العلي حسّاً عميقاً يحتاجه الفنان لكي يكون مُبدعاً وليس رسّاماً فحسب. ليس من السهل تقليد فن ناجي العلي لأن الإحساس لا يُقلّد، لذلك نشير إلى أن قناة الميادين التي نقلت رسوماته لتعريف الجيل الجديد عليها، والتي نفّذتها للتلفزيون المتخصّصتان بالرسوم المُتحرّكة "هالة سلّوم" و"فاطمة قصير" لم تُبقها جامدة وذلك حسبما تتطلّب صورة التلفزيون المُتحرّكة، ولا شكّ كانت مغامرة لا يُستهان بها، وما أنجحها أن الرسّامتين اللتين نفّذتا هذا العمل، بقيتا مُخلصتين للعمل الأصلي من دون التدخّل بتفاصيله. 
إنه عمل يستحقّ التقدير، في وقت القنوات الأخرى تعمل بكل ما أوتيت من قوّة على تسطيح الفن وبالتالي الذوق والثقّافة العامّة والوعي عند الناس، وإمحاء فكرة أن هناك من قضيّة ووطن أصلاً. 
طبعاً هناك في العالم من استلهم من بعض الأعمال الفنيّة العالميّة المعروفة، إن كان في السينما أو في اللوحة نفسها، أو حتى في الرسوم المُتحرّكة أُدخلت بعض الأعمال الفنيّة لإيصالها بشكل مُبسّط إلى الأطفال. 


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً