أياد حرفوش

كاتب وروائي مصري، حاصل على بكالوريوس الطب من جامعة طنطا، وماجستير الإدارة من جامعة وسط ميتشيجن، وزميل كلية شارترد للإدارة بالمملكة المتحدة، نشرت له ثلاث كتب في الشأن السياسي والأمن القومي العربي، وروايتان ومجموعتان قصصيتان

من إدارة التوحّش إلى إدارة التعاطف

أنا مع إدانة الإرهاب في كل مكان فوق هذا الكوكب، أتعاطف وأؤيد التعاطف مع ضحاياه من كل دين وطائفة وعرق، وقد كتبت في هذا المكان مقالاً بعنوان "رسالة الإرهاب في نيس" واستنكرت فيه ردود الفعل الشامتة بمصاب المجزرة في فرنسا، فضحايا الإرهاب هناك كما هم هنا من البسطاء من ملح الأرض، ليسوا من الساسة الذين دعموا الإرهاب في سوريا والعراق، لكن الإنصاف اليوم يقتضي أن أسجل عجبي من عرب يبدون اهتماماً كبيراً بأية جريمة للإرهاب التكفيري في نصف الكرة الغربي مقابل اهتمام محدود أو عدم اهتمام بجريمة مماثلة تقع على بعد أنفاس من أوطانهم.

الارهابيون ذبحوا الصبي الفلسطيني عبد الله العيسىبدم بارد وهم يكبرون
الارهابيون ذبحوا الصبي الفلسطيني عبد الله العيسىبدم بارد وهم يكبرون

في ٣ يوليو/ تموز وقعت مجزرة الكرادة في العاصمة العراقية بغداد، فقتلت ثلاثمائة وجرحت العشرات، وبعدها بعشرة أيام حصلت مجزرة نيس فراح ضحيتها قرابة التسعين قتيلاً وعشرات الجرحى.. فهل كان اهتمام ومتابعة العالم للحدثين متكافئاً أو متقارباً؟ هل تابعنا نحن العرب الحدثين بنفس الدرجة من الإهتمام؟ وفي ١٩ يوليو/ تموز ذبح إرهابيو الجيش الحر الصبي الفلسطيني "عبد الله العيسى" بدم بارد وهم يكبرون. سألوه ساخرين عن أمنيته الأخيرة فتمنى عليهم أن يقتلوه رمياً بالرصاص، فكانت إجابة الأنجاس "إلا الذبح"، فكان جل اهتمام بعضنا بالأمر أن ناقشوا عمره وقالوا أنه ١٩ عاماً وليس 12 عاماً، كأن الذبح جائز بعد البلوغ؟. ولن أتحدث هنا عمن حاولوا تطييف الجريمة بقولهم أن الصبي من هذه الطائفة أو تلك، فهؤلاء لا أعتبرهم منا ولا آبه بما يقولون، بعد واقعة ذبح العيسى بأسبوع واحد وقعت جريمة ذبح الكاهن الفرنسي "جاك هاميل" بعد انتهاك التكفيريين لكنيسته في نورماندي، قس عجوز نيف على الثمانين لم يشفع له وهن شيخوخته عند قساة القلوب غلاظ الأكباد. نعم هي جريمة لا تقل وضاعة ولا فظاعة عن جريمة ذبح "العيسى" لكنها كذلك لا تزيد. فلماذا كان اهتمام كثيرون بيننا بالثانية أكبر من الأولى؟

 

خطر لي عندما طرحت السؤال على نفسي للمرة الأولى أن ما مرت به الأمة العربية من محن متتالية تركزت وتصاعدت وتيرتها في السنوات الخمس العجاف الأخيرة عود العرب على الألم، فأصابهم بالبلادة، لكن من يصب بالبلادة لا يكون تبلده انتقائيا، ولا يلتهب اهتماماً بأمر بينما يمرر أمراً مشابها من دون أدنى اهتمام، فكانت الإجابة التالية التي خطرت بذهني هي "إدارة التعاطف". فنحن أمام جماهير تدير الميديا العالمية والميديا العربية الموالية لها اهتمامها بمنهجية منضبطة الإيقاع، لخدمة أهداف سياسية في النهاية، ولا يقتصر الأمر على تباين التعاطف بين أحداث متماثلة تقع في الغرب والشرق، ولكن على أحداث متقاربة في بلد واحد مثل الاهتمام بموضوع "مضايا" وعدم الاهتمام بموضوعات مقابلة مثل حصار نبل والزهراء وكفريا والفوعة، أو في بلاد عربية مثل التباكي على حلب واليمن لا بواكي له.

 

شاع مصطلح "إدارة التوحش" بعد ظهور داعش على إثر التداول الإلكتروني لكتاب بهذا العنوان من تأليف مؤلف مجهول أطلق على نفسه اسم "أبي بكر ناجي". شاع المصطلح لأنه عبر بدقة عن منهجية إرهاب ما بعد القاعدة ولو كان الكتاب دفاعا عن هذا الإرهاب لا هجوما عليه. نحن اليوم أمام مهارة جديدة هي "إدارة التعاطف"، حيث تتم صناعة الوعي الجماهيري وخدمة الأهداف السياسية باستخدام السمات الغالبة في الجماهير. (أي جماهير وليست جماهيرنا العربية بالخصوص). وترتكز "إدارة التعاطف" تلك على عدة صفات تتسم بها القواعد الجماهيرية العريضة، وأهمها

 

1- غياب المتابعة الدقيقة للأحداث وعدم الإلمام بالواقع، فالقاعدة الجماهيرية قلما تتابع أزمة سياسية بتفاصيلها لتكون صورة محددة عن أطراف الصراع فيها. ولهذا يمكن تمرير رسائل مع هذا وضد ذاك من دون أن تمر بمصفاة الإلمام الكامل بالأحداث المتتالية. وبالواقع الحقيقي الذي جرت فيه (مثال: الجماهير العربية التي لا تعرف أن الجيش العربي السوري هو جيش تجنيد إجباري وبالتالي يمثل جميع قطاعات وطوائف المجتمع يسهل إقناعها بأن الجيش له صبغة طائفية).

 

2- غياب الدراية التاريخية، فاليوم هو وليد للأمس وأب للغد، وعدم الإلمام بالجذور التاريخية لأي صراع يسهل على الآلة الإعلامية تمرير رسائل تناقض حقائق التاريخ. (فمثلاً تجسيم العداء بين السعودية وبين الزيود في اليمن لن يمر على من يعرف تاريخ حرب اليمن في الستينات ودور السعودية الداعم لاستمرار الإمامة الزيدية فيها).

 

3- الاعتماد على الوجبات الثقافية الجاهزة، فأنت أمام جماهير تقرأ تغريدة ولا تقرأ مقالاً، تشارك صورة على فيسبوك ولا تشارك تحليلاً، تروج لهاشتاغ ولا تروج لفيلم تسجيلي كاشف.. ثقافة الوجبات الجاهزة تلك كانت عماداً رئيسياً في صنع الأزمة. فبينما نملك عقولاً تنتج وجبات فكرية ثقيلة يملك الخصم موازنات ضخمة وخبرات إعلامية تنتج صوتاً وصورة أكثر تأثيراً.

 

4- غياب القضية المحورية والأدلجة، فمن يملك قضية محورية تصنع له قضيته انحيازات واضحة، وتجعل مهمة الإعلام في تغيير انحيازاته وحرف بوصلته صعبة (من جعل الصراع العربي-الإسرائيلي قضية عمره لن يقبل سياسة الاستبدال الجارية حالياً بتصدير صراع سني - شيعي، عربي-تركي، أو عربي - فارسي كبديل عنه.

تلك الركائز وغيرها تجعل الجماهير كلوح أبيض كبير، يمكنك أن تلقي عليه الألوان لتصنع بقعة صارخة هنا أو هناك، هكذا يتم توجيه وإدارة تعاطف تلك الجماهير للشيء وعكسه. فالميديا الغربية والميديا العربية الموالية للغرب والرجعية العربية، صنعت حالات عديدة من التعاطف المتناقض، وهاك بعض الأمثلة:

 

1- الجماهير الخليجية خاصة والعربية عامة تم حشد تعاطفها في ٢٠١٣م، ضد الإخوان في مصر ومع الإخوان في سوريا. والحق أن هذا الإنجاز قامت به فقط الميديا العربية لأن الميديا الغربية كان لها موقف متعاطف مع إخوان مصر لأن وجودهم في السلطة كان خادماً لمصالح غربية بينما شكل تهديدا للملكيات الخليجية.

 

2- التعاطف مع التكفيريين في سوريا بعد منحهم أسماء "معارضة مسلحة" و"ثوار" وما إلى ذلك، والتعاطف ضد التكفيريين عندما يخرجون عن السياق ويقومون بأعمال إرهابية في السعودية أو تركيا أو فرنسا ... الخ.

 

3- التعاطف مع الأطفال في حلب والهجوم على الأمم المتحدة بسبب تقريرها حول تسبب السعودية في وفاة مئات الأطفال في اليمن.

 

الأمثلة بلا حصر، وإدارة التعاطف تلك يوليها المحور اليورو- أمريكي وحلفاؤه العرب اهتماماً كبيراً، بموازنات مليارية، وبخبرات إعلامية كبيرة. وهذا طبيعي في كل صراع بهذا الحجم. لكن غير الطبيعي هو عدم وجود جهد منظم من قبلنا بالمقابل. وهنا أتفهم تماماً محدودية الإمكانات وفقر الموازنات. ولكن مازال هناك الكثير ينبغي القيام به لتحقيق "إدارة التعاطف المضاد". ولو كانت إمكاناتنا أضعف، فما يعوض هذا - لو امتلكنا حرفية أكبر - هو اتساقنا مع ذاتنا، وعدالة منطقنا. علينا فقط أن نولي الأمر اهتماماً يعادل اهتمام الخصم به لنبدأ حربا إعلامية لا تقل كفاءة عن حرب قواتنا ضد التكفيريين وداعميهم.