أياد حرفوش

كاتب وروائي مصري، حاصل على بكالوريوس الطب من جامعة طنطا، وماجستير الإدارة من جامعة وسط ميتشيجن، وزميل كلية شارترد للإدارة بالمملكة المتحدة، نشرت له ثلاث كتب في الشأن السياسي والأمن القومي العربي، وروايتان ومجموعتان قصصيتان

"اليوم التالي لداعش" وفق مؤتمر هيرتزيليا؛ رؤية إسرائيلية

نوقشت ضمن فعاليات المؤتمر الإسرائيلي السنوي في هيرتزيليا (١٤-١٦ يونيو/حزيران ٢٠١٦م) ورقة العمل التي أعدها ونشرها سابقا الميجور جنرال الإسرائيلي "ناعوم تيبون" في التايمز الإسرائيلية بتاريخ ٢ مايو/أيار ٢٠١٦م بعنوان "اليوم التالي لداعش؛ الترتيبات البديلة في العراق وسوريا".

رقة العمل نفسها لم تأت بجديد، فهي تحمل نفس تصور الكانتونات الطائفية الذي نشر عشرات المرات خلال السنوات الخمس الماضية
رقة العمل نفسها لم تأت بجديد، فهي تحمل نفس تصور الكانتونات الطائفية الذي نشر عشرات المرات خلال السنوات الخمس الماضية

لم تخرج مناقشات المؤتمر المنشورة كثيرا عن سياق ورقة العمل تلك، وورقة العمل نفسها لم تأت بجديد، فهي تحمل نفس تصور الكانتونات الطائفية الذي نشر عشرات المرات خلال السنوات الخمس الماضية، لكنه هذه المرة ليس مجهول المصدر، وليس منسوبا لتسريبات مخابراتية، ولا يمتد إلى خطط أسطورية لتقسيم مصر والسعودية والأردن، والجديد فيه كذلك أنه يعترف بأن التنازل عن فكرة الديمقراطية في الكانتونات الطائفية والإثنية المقترحة صار ضروريا! إذ تقول ورقة العمل نصا "بأن الديمقراطية لن تكون ضرورية في البداية في تلك الدول، وأن التركيز الغربي يجب أن ينصب على الأمن والاقتصاد في البداية بعد التنازل عن فكرة الديمقراطية التي تحل بالباراشوت"!! كأن الإغارة على سوريا لم تتم منذ اليوم الأول تحت لواء الديمقراطية! ولا ريب أن هذا الطرح الذي يجعل الديمقراطية أولوية متأخرة يهدف للتمهيد للدولة التكفيرية التي سوف يصنعها ويأتي في سياق تلميع صورة بعض الجماعات التكفيرية في سوريا والتي ترى في الديمقراطية كفرا! فالطرح الصهيوني يتلخص في تقسيم العراق وسوريا كما يلي:

(١) دولة سنية تمتد بين غرب العراق وشرق سوريا، وتعترف ورقة العمل بأن تلك الدولة وفق الحدود المزمعة لها ستسيطر على نصيب الأسد من الموارد البترولية بما يكفل لها اقتصادا مميزا، وستكون في حالة عداء مع إيران بطبيعة الحال! ويجب القول هنا أن تلك الدولة ستكون - والكلام لي وليس لصاحب ورقة العمل - سنية من حيث الأغلبية السكانية، لكنها وبحكم موزاين القوى ستكون محكومة من قبل الجماعات التكفيرية التي يتم حاليا غسيل صورتها، لأنها من يمتلك القوة المسلحة التي لا تقارن بما تملكه العشائر السنية في العراق والسكان السنة في سوريا من قوة مسلحة!

(٢) دولة كردية تشغل النطاق الشمالي لسوريا والعراق وتتعهد بعدم نيتها التوسع في المناطق الكردية جنوبي تركيا، فلا مساس قطعا بالحليف التركي!!

(٣) دولة شيعية جنوبي العراق، ويقول "تيبون" أن تلك الدولة ستكون محسوبة على إيران.

(٤) دولة علوية تمتد من دمشق إلى الساحل السوري! وستكون وفقا لقوله كذلك محسوبة على إيران.

على أن تلتزم الدول سالفة الذكر بمراعاة حقوق الأقليات المسيحية والآشورية وغيرها وتمثيلها تمثيلا عادلا!

ولست أرى في هذا الطرح أنه يعبر بصدق عن الاستراتيجية الصهيونية، فتوقيت الإعلان عنه اليوم ومن مصدر معروف يأتي في سياق التهويل على محور المقاومة وإحباط جمهوره أكثر مما يعني خطة واقعية، فلو افترضنا جدلا بأن انهيار الدولة السورية احتمال مطروح - لا قدر الله - فلن يكون التقسيم بهذه الكيفية، ولن يتوقف عند هذا الحد! والصهيوني يعرف هذا جيدا، لكن التهويل علينا اليوم صار واجبا! فلماذا؟ أعتقد أن تصريحات رئيس استخبارات العدو في هيرتزيليا تجيب عن هذا السؤال! 


الشهور الثلاثة الأخيرة، ولماذا لا يريد الإسرائيلي داعش مهزومة؟!

في خطوة لاحقة لما قاله وزير الدفاع الإسرائيلي "موشي يعلون" في يناير/كانون ثاني الماضي، والذي يتلخص في أنه يفضل داعش وأشباهها على النظام السوري الحليف لإيران، لأن الجماعات التكفيرية تشكل خطرا أقل على إسرائيل من إيران وحلفائها، وقف رئيس الاستخبارات "هيرزي هاليفي" في اليوم الأخير للمؤتمر في ١٦ يونيو/حزيران ٢٠١٦م ليقول بلغة مباشرة أنه "لا يريد أن يرى داعش مهزومة في سوريا"! كما قال بأن "الشهور الثلاثة الأخيرة كانت الأصعب والأخطر على الجماعات التكفيرية منذ إعلان الخلافة في ٢٠١٣م"، ولكن لماذا الشهور الثلاثة الأخيرة تحديدا؟ ولماذا يحتاج العدو للتهويل الإعلامي بعدها؟


الشهور الثلاثة وسقوط خطة وقف الأعمال العدائية

نعم، أفادت الجماعات التكفيرية كثيرا من اتفاق وقف الأعمال العدائية برعاية الدول الكبرى اعتبارا من فبراير/شباط ٢٠١٦م، لأنها لم تتوقف عن تلك الأعمال يوما واحدا، ولأن المحور الغربي تعود وصف عملياتها بالتجاوزات البسيطة وعمليات الجيش العربي السوري بالخروقات الواضحة!! ونعم، تم إمدادها من خلال الحدود التركية بآلاف المقاتلين والأسلحة الثقيلة، وهو ما أعطاها قبلة حياة كانت بأمس الحاجة إليها، ومع ذلك فقد كانت المحصلة النهائية للشهور الثلاثة الأخيرة بعد الاتفاق على غير ما توقعوا! فتم تحرير تدمر في مارس/آذار ٢٠١٦م، وجاءت معارك ريف حلب على غير ما يشتهون، وصار شريان الحياة الذي يربطهم بالحدود التركية مهددا أكثر من أي وقت مضى! لهذا يعمد الصهيوني اليوم للتهويل علينا بسيناريو تقسيم صار أضعف من أي وقت مضى! بينما يشهد - مناقضا نفسه - بأن الشهور الأخيرة كانت كابوسا للجماعات التكفيرية!

وختاما، فالبادي من مسلك الصهيوني وتصريحاته، أن اتفاقية وقف الأعمال العدائية التي لم تتوقف أبدا، وإن كانت قبلة حياة للتكفيري، غير أنها كانت رسالة عجز لداعميه الإقليميين والدوليين وفي مقدمتهم الصهيوني، فأقصى ما يريده المحور المعادي اليوم هو إطالة أمد الحرب قدر جهده، ولكن سقف طموحاته في ما يخص نتائجها قد انخفض للحد الأدنى! فلو كانت الشهورة الأخيرة مؤلمة لنا بارتقاء بعض القادة والأبطال من محورنا، فقد كانت كارثية للعدو بشهادة حلفائه، والحق كما قلنا ما شهدت به الأعداء، ويبقى النصر معقود اللواء بصاري الصبر والعزيمة!