حسان شعبان

حسان شعبان رئيس قسم المكاتب الخارجية في قناة الميادين و إداري في غرفة الأخبار، بدأ العمل في قناة الميادين في العام 2012، حائز على ماجيستير في ادارة الاعمال و لديه دراسات حول ادارة المؤسسات الاعلامية و التنمية البشرية.

اللامرونة الإدارية أفنت كوداك الأسطورة

"في عالم سريع التطور، المؤسسة التي تتبجح بإنجازاتها الراهنة من دون رؤيا للمستقبل، سرعان ما تنكفئ".

المؤسسة التي تتبجح بإنجازاتها من دون رؤيا للمستقبل، سرعان ما تنكفئ
المؤسسة التي تتبجح بإنجازاتها من دون رؤيا للمستقبل، سرعان ما تنكفئ

مقولة مؤسس كوداك جورج إيستمان هذه، التي ألهمت رواد الأعمال في العالم لم تنجح في التأثير على أبنائه في كوداك. فالشركة العملاقة التي ضمت 140 ألف عامل ٍ وحظيت بأكبر حصة من سوق الكاميرات في العالم أعلنت إفلاسها بشكل رسمي في العام 2012 بعد سلسلة من القرارات الخاطئة والأزمات المتفاقمة داخل المؤسسة.

كوداك التي تأسست في العام 1880، تميزت باستخدامها للتكنولوجيا الحديثة في صناعة الكاميرات، واحتلّت مكانة مرموقة في السوق الأميركي،  ونافست على الصدارة في هذا السوق عالمياً. تحديات جمّة واجهتها  منذ نشأتها، لعل أولها كان الانتقال من الأفلام البيضاء والسوداء الى الملونة، وقتذاك تريث جورج ايستمان قرابة العشر سنوات ليتخذ القرار بالتحول الى جيل الألوان.

في مسيرتها الأولى، نجحت في تحويل التحديات إلى فرص ٍ مستندة ً إلى مبدأ المنطق والهدوء في اتخاذ القرار. راكمت كوداك النجاحات واستطاعت أن تكسب ثقة زبائنها بفضل سمعة منتجاتها الحسنة وأدائها المتطور. تأثر "ايستمان" باستراتيجية "جيليت" التي تبيع ماكينة الحلاقة بسعر زهيد وترفع سعر شفراتها فتحقق أرباحاً طائلة بالشفرات، فأصبحت أرباح أفلام الكاميرات هي المورد الرئيسي للشركة، حوالى 70% من الايرادات، بينما كانت أسعار كاميرات كوداك رخيصة نسبياً، ولذلك أصبح الاهتمام  بتطوير الكاميرات مرتبط  بقدر استهلاكها للأفلام. 


في العام 1970 تمكن مهندس كوداك "ستيفان ساسون" من اختراع أول كاميرا رقمية. أٌعجب تقنيو ومهندسو الشركة بها، واعتبروها أيقونة الكاميرات كونها لا تحتاج إلى أفلام ولكن حين عرضها على الادارة العليا  كان جوابها " انها كاميرا ظريفة، لكن لا تخبر أحد بشأنها". حسمت الإدارة الأمر، لا مكان لأي كاميرا تعمل بدون فيلم، فذلك سيسبب خسائر في الإيرادات. في تلك الأثناء كانت شركة "فوجي" اليابانية تنتشر في الأسواق العالمية معتمدة على سياسة الانفتاح والبيع الكثير بربحٍ قليل. تمكنت من التغلغل دون أن تنجح في نزع الصدارة من كوداك، فبالرغم من سعرها المرتفع حافظت الأخيرة على اسمها وثقة زبائنها لا بل حققت أرباحاً مرتفعة ما زاد ثقة الإدارة العليا بقرارتها الاستراتيجية. لم تعر الاهتمام  لتقييمات المخاطر المستقبلية متسلحة ً بنتائجها المحققة وبتاريخها الحافل. أقصت المدراء المعارضين لرؤيتها المستقبلية والمراهنين على ثورة كاميرات الديجتال بذريعة ان رواتبهم تسدد من أرباح الأفلام فكيف يسوقون لتغيير  سيطيح بمستقبل الشركة؟  اعترف مدير كوداك التنفيذي "جورج فيشر" بعد فوات الأوان: "اعتبرنا التصوير الرقمي بمثابة عدو لنا، فنظرنا إليه كشر ماحق يريد القضاء على الافلام والاوراق التي هي عماد مبيعاتنا وأرباحنا" .

اعتمدت الإدارة أسلوب "نفذ ولا تعترض" فتحاشى الموظفون الإضاءة على أهمية التحول إلى الديجتال في الاجتماعات، يقول المهندس ماجد رباني "حينما التحقت في كوداك أخبروني بأنهم يسددون راتبي من مبيعات الأفلام " وبذلك أصبح الوفاء لسياسة بيع الأفلام وليس لتطور الشركة، وتفادى المطورون إظهار دراساتهم التي تشير إلى أهمية الانتقال الى الكاميرات الرقمية خوفاً من تعرضهم للإقصاء. 

متأخرا ً، دخل "فيشر" كوداك في أواخر التسعينيات العالم الرقمي ولكنه لم يكن فذاً ومبتكراً بقدر يجعله يستلم ريادة عالم الكاميرات من جديد. لم تستطع الشركة أن ترضي مستهلكيها. وكسابق عهدها اهتمت بالجودة والتفاصيل على حساب السرعة، على عكس منافسيها الذين كانوا يتبارون بالتطوير والتحديث السريع. لاحقاً كسحت كاميرات التلفونات الذكية العالم فأقصت كوداك عن سوق الكاميرات الاستهلاكية البسيطة. وتدريجاً خرجت من المنافسة وأغلقت أبوابها.

نفذ ولا تعترض
نفذ ولا تعترض

لا يمكننا معالجة المشكلة باستخدام العقلية نفسها التي أوجدت تلك المشكلة
لا يمكننا معالجة المشكلة باستخدام العقلية نفسها التي أوجدت تلك المشكلة

نهاية  كوداك ليست  استثنائية، فأي مؤسسة  سترتكب إدارتها أخطاءً استراتيجية مماثلة  ستلقى مصيراً مشابهاً. نصائح كثيرة ممكن الاستفادة منها في تحليل أسباب فشل كوداك ولعل ابرزها:

اعتماد المرونة والانفتاح في الإدارة:  لم تع ِ إدارة كوداك في سنواتها الأخيرة أن الكاميرات الرقمية ستحل مكان الكاميرات الفيلمية وأصرت على الاستمرار بنهجها التاريخي. لكن الادارة التي ستعاند مسيرة التطور ستجد نفسها خارج المعادلة، فمن يريد الريادة عليه أن يتكيّف مع التغير المستمر. يقول البرت أينشتاين "لا يمكننا معالجة المشكلة باستخدام العقلية نفسها التي أوجدت تلك المشكلة" لم تسع كوداك لمعالجة المخاطر المحدقة بها بل صعّدت موقفها وأصرّت على صوابية قراراتها بمحاكاة لنمطها التاريخي في اتخاذ القرارات.

إشراك الموظفين المعارضين خلال عملية اتخاذ القرار: يميل المدراء التنفيذيون غالبا إلى إحاطة أنفسهم  بمساعدين ومستشارين من فكرهم ولونهم والمؤيدين دوماً لقراراتهم، يستبعدون من دوائر القرار المعارضون وأصحاب الأفكار المختلفة. فيرتدع المخالفون تدريجاً، إما يرحلون عن المؤسسة وإما يمارسون التقيّة فيعلنون تأييدهم للقرارات الإدارية ويتسترون على اعتراضاتهم. إخفات صوت المخالفين لا يعني عدم وجود مشاكل وعثرات في العمل فخلق بيئة تحترم الموظفين المعارضين سيتيح التعرف على جذور المشكلة ومعالجتها في مهدها. فاستبعاد كوداك لمؤيدي التحول إلى الأنظمة الرقمية لم تظهر عوارضه مباشرةً انما طفت على السطح بعد سنوات حيث لم يعد ممكناً استئصال المشكلة، وفات الأوان.

عدم المبالغة في الرضا الذاتي: نجاحات كوداك المتتالية ونتائج أعمالها الممتازة جعلت المسؤولين الإداريين يشعرون برضا ذاتي كبير، تعاظم سنة بعد سنة حتى بات أشبه بالغرور. وجدوا أنفسهم غير معنيين بمنافسة "فوجي" لهم ولم يكترثوا لثورة المعلومات والتطور التكنولوجي واكتفوا بالمفاخرة بأمجاد ماضيهم. من الخطورة  أن يتحول الرضا الذاتي إلى تكبر وغرور إنما يجب أن يكون حافزاً دائماً للتطور. فليس هناك من منظومة إدارية كاملة ولا يوجد أسلوب واحد مضمون النتائج في الإدارة الحديثة. ففي عالم سريع التغير قد تكون نقاط القوة والتميّز في المؤسسة اليوم هي عينها  نقاط التراجع والفشل غداً.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً

المصدر : الميادين نت