حسان شعبان

حسان شعبان رئيس قسم المكاتب الخارجية في قناة الميادين و إداري في غرفة الأخبار، بدأ العمل في قناة الميادين في العام 2012، حائز على ماجيستير في ادارة الاعمال و لديه دراسات حول ادارة المؤسسات الاعلامية و التنمية البشرية.

يوم أصبح النجاح مستحيلاً

الواقع أن مفهوم عملية الإدارة وصنع القرار يرتكز بشكل رئيسي على نظريتين: أسلوب التعلم بالمحاولة والخطأ حيث يحاول الإداري التعلم من الأخطاء التي يرتكبها فيصححها ويقوّمها ليجرّب طريقة أخرى تقوده إلى النجاح، وأسلوب التعلم من تجارب الآخرين فيحاكي أسلوب الناجحين في معالجة المشاكل المشابهة التي يواجهها أو يتعلم من فشل الآخرين ليتجنب الوقوع فيه.

أوليلا انتقل من عالم المصارف إلى شركة نوكيا والأجهزة الإلكترونية
أوليلا انتقل من عالم المصارف إلى شركة نوكيا والأجهزة الإلكترونية

من عالم المصارف دخل جورما أوليلا شركة نوكيا. خبرته وذكائه جعلاه يصبح مديراً مالياً. حينها كان نشاط الشركة يرتكز على صناعة الأوراق والأحذية البلاستكية ومعدات الاتصالات. في العام 1992 قررت  الشركة التوسع في عالم الأجهزة الإكترونية والبدء بتصنيع أجهزة خلوية. يومها أصبح الفنلندي جورما مديراً تنفيذياً لمجموعة شركات نوكيا.

قرر المدير الجديد أن يغزو العالم مستفيداً من ثورة الاتصالات. ليقرّب المسافات ويجمع الشرق بالغرب، اتخذ من عبارة "ربط الناس ببعضهم البعض" شعاراً لشركته. سرعان ما احتلت مبيعات أجهزته المرتبة الأولى عالمياً واجتاحت الأسواق الدولية. خلال أعوام قليلة، تحولت نوكيا إلى إمبراطورية تضم أكثر من 38 ألف عامل حول العالم، وتربع أوليلا على عرشه الإداري في سوق الهواتف المحمولة منذ عام 1998. 

في العام 2002 تنبأ أوليلا بضرورة تطوير مفهوم الهواتف الخلوية وتحويلها الى ذكية. طلب من إدارة الأبحاث والتطوير، التي كان أغلب العاملين فيها من الأساتذة الأكادميين، تقييم  قدرة نوكيا على إنتاج وبيع هذا النوع من الأجهزة. صدرت التوصيات النهائية للدراسة بعد عدة أشهر تظهر إمكانية الإنتاج وصعوبة التسويق، فكان رأيهم بأن المستهلك لن يدفع مبلغ  500$ لشراء هاتف ذكي وسيفضل البقاء على جهازه الحالي. فقرر أوليلا التريث بالعمل على المشروع لعدم جدواه.

دخل أحد مهندسي البرمجيات ذات يوم الى مكتب جورما وأخبره بأن "ستيف جوبز" ينوي دخول عالم الهواتف الذكية وسيسمي جهازه "آيفون" بسعر قد يبلغ 600$. سخر صاحب الحصة الأكبر في اقتصاد الهواتف المحمولة من فكرة "آبل" الطموحة وراهن على فشلها فهي لن تكون سوى مغامرة غير محسوبة من وجهة نظره.

خابت رهانات "أوليلا" ومن خلفه نوكيا، فبعد أيام من طرح الايفون. سحب البساط من الشركة الفنلندية، وانخفضت مبيعاتها بشكل كبير. حاول استدراك الموقف ومحاكاة منافسيه لكن المكابرة والغرور حالت دون ذلك، فالامبراطور الذي تربع على القمة لأكثر من عشر سنوات لا يمكنه تقبل "الدخلاء" ومجاراتهم، بل لن  يعتبر نجاحهم إلا ظرفياً وعابراً.

أخفقت محاولاته في ابتكار جهاز تنافسي يضاهي الآيفون انخفضت أسهم الشركة الفنلندية العريقة بشكل دراماتيكي. لم تمض أعوام قليلة حتى أعلنت شركة مايكروسفت الرائدة في البرمجيات استحواذها على نوكيا.

نجاجٌ مستحيل، هكذا لخص أوليلا مسيرته الإدارية في نوكيا.


بماذا تفيدنا هذه القصة؟

الواقع أن مفهوم عملية الإدارة وصنع القرار يرتكز بشكل رئيسي على نظريتين: أسلوب التعلم بالمحاولة والخطأ حيث يحاول الإداري التعلم من الأخطاء التي يرتكبها فيصححها ويقوّمها ليجرّب طريقة أخرى تقوده إلى النجاح، وأسلوب التعلم من تجارب الآخرين فيحاكي أسلوب الناجحين في معالجة المشاكل المشابهة التي يواجهها أو يتعلم من فشل الآخرين ليتجنب الوقوع فيه. 

تاريخ نوكيا العظيم وخبرة "أوليلا" الغنية  لم تستطع إنقاذ الشركة من سقوطٍ مدوٍّ، فارتكاب الأخطاء البسيطة حينما تكون في المقدمة سيؤدي إلى إخراجك من المنافسة، ومعالجة المشاكل بحلول غير موفقة سيجعلك خارج المعادلة بشكل نهائي. لهذه التجربة عبر ودلالات قد يستفيد منها المرء كثيراً في أي موقع كان.

·        التواجد في القمة لفترة طويلة يقوي المنافسين فيصبحون أكثر شراسة وإبداعاً في المواجهة، والتعامل الاعتيادي والهامد مع الأزمة لن يعالجها إنما سيفاقمها لتستفحل وتأخذ منحى انحدارياً قد يجره إلى الهاوية.

·        الاعتماد على السيرة الناجحة ونتائج الماضي المربحة كاستراتيجية لضمان بقاء المؤسسة أو الأفراد في سوق المنافسة يجعل الموقع هشاً قابلاً للانكسار أمام التغييرات المتسارعة في مزاج السوق والمستهلك.

·        تنشأ الثقة بالنفس من تعاظم الخبرات الناجحة وتزايد المهارات الإبداعية لكن المبالغة في تقدير الثقة يجعلها تتجاوز حدودها لتتحول إلى غرور أعمى يدمر كل الإنجازات المتراكمة. لا يمكن لأي كان البقاء في الصدارة إذا تجاهل قدرات الحقيقية للمنافسين مهما كان حجمهم أو بالغ في تقدير جدارة  فريقه.

·        لا قيمة للتخطيط الجيد والتنبوء الدقيق اذا لم يقترن بالتنفيذ. فالفكرة لا يمكن لها أن تبصر النور إذا بقيت على الورق من دون أن تدخل مراحل الإنجاز. المحافظة على الصدارة تستلزم اختيار التوقيت المناسب لمراحل اتخاذ القرار من دون تسرّع أو تأخير لاسيما في القرارات الحساسة.

·        التركيز حصراً على الأكادميين للقيام بالابحاث والتطوير قد يؤثر على الموقع في المنافسة لأن الاعتماد على المنهجية العلمية في التفكير العملي التجاري يتطلب وقتاً طويلاً. فمن الضروري مشاركة شرائح مختلفة، تحديدا تلك التي تملك تجارب عملية، في عملية التطوير.

•تنشأ الثقة بالنفس من تعاظم الخبرات الناجحة وتزايد المهارات الإبداعية
•تنشأ الثقة بالنفس من تعاظم الخبرات الناجحة وتزايد المهارات الإبداعية