منى السّعودي.. نحّاتة الحجر وعاشقته

"وأشتاق إلى حجر- صديق أنقش فيه حنين الرّوح، أشكالي تتعدّد، تستدير وترقّ، تستطيل وتتربّع.. وأدعو أن لا يتركني هذا الشّوق، هذه الرّغبة في البحث". إمضاء "منى السّعودي" تأمّلات/حجارة_ مجلة مواقف، 1988

منحوتة المتشردة للنحاتة منى السعودي
منحوتة المتشردة للنحاتة منى السعودي

أهناك أقدم من الحجر؟ آتية هي من البعيد، ربّما من التّاريخ الذي تحفره مُجدّداً. تشبه حجارتها التي تطيّعها كما تشاء. لن تكون نحّاتة تحاكي الحجر، إن لم تكن بعناده، لا يطيّعها شيء سواه، أو هي من تطوّعه. تسامره ويسامرها، وتحكي له حكاية.

 

عري الإنسان وعري الطّبيعة

منى السّعودي، الفنّانة الأردنيّة، التي بَصَمَت بَصْمَتها الأولى كفنّانة. بصمة هي موقف، هي فعل وليس تنظير في الحريّة والمساواة. حين تركت بيت العائلة المتشدّدة، آتية إلى بيروت، عام 1963. كان أول لقاء لها بالنّحت الحديث، الذي شاهدته في قرية راشانا للنحّات ميشال بصبوص، حسبما تقول في سيرتها المختصرة، بكتابها "أربعون عاماً في النّحت". كانت قد سبقت السّعودي إلى بيروت نصوصها الشّعريّة، ونُشِرَت في إحدى مجلاّتها الثّقافية.

أقامت منى السّعودي معرضها الأول لرسوماتها في بيروت، دار الصّحافة، وباعت مجموعة منها مكّنتها من السّفر لاحقاً إلى فرنسا. حال وصولها، بدأت الدّراسة في المدرسة العليا للفنون الجميلة. اكتشفت علاقة جسد الإنسان بالطّبيعة. عُريّ الإنسان وعريّ الطّبيعة. الإنسان مركز الكون، وفي جسد الإنسان، أسرار مبادئ الحركة والتّكوين.

صالت وجالت في أصقاع الأرض، وعادت السّعودي إلى بيروت لتجعلها مقرّها النّهائي، علماً أن في الحرب اللبنانيّة، تحطّم العديد من منحوتاتها بسبب القصف العشوائي، ولا زالت هناك منحوتة تقف كشاهد على ما جرى، في حديقة بيتها، الكامن بحيّ لا زال يحافظ على هدوئه في منطقة الحمرا.

 


معرض يتجاوز ما فرضته الصّالات

منحوتة "صبير" للنحاتة منى السعودي
منحوتة "صبير" للنحاتة منى السعودي

 

منذ أيّام افتتحت منى السّعودي، معرضها الاستعادي، وسط حضور عريض من الفنّانين، ومقتني الأعمال الفنيّة، وشخصيّات ثقافيّة. يتضمّن المعرض عدد من المنحوتات، والرسومات، أنجزتها بين ال 1995-2017.  

تدخل صالة العرض فتشعر برهبة المكان. الأعمال صارمة كصرامة سيّدتهم. كم مرّ من وقت لم ندخل به إلى صالة عرض، تستضيف معرضاً على هذا القدر من الرّهبة الفنيّة. فمعظم صالات العرض، ومنذ سنوات، تتذرّع أنها تفضّل معارض "للفن المعاصر". كم هو فضفاض هذا التعريف، بل هو ادّعاء كبير، خاصّة حين تقع الصّالات وأصحابها، والفنّانون الذين تختارهم، ب"الدّبدبة" في الفن. يأتي بعض الفنانين بفنّهم المنقول من كل حدب وصوب، من العالم الواسع، مجرّد من هويّته ومن أي فكر أو موهبة. الاستعراض همّه الأوّل. شخبطة واستلشاء، ويُتّهم المشاهد، أو أي متذوّق أو حتى فنّان يمتلك رأياً مخالفاً، بأنه غير فهيم بالفن "الحديث" أو "المعاصر"، فقد توّبوا الفن "المعاصر" بما يُناسبهم. طبعاً هذا الكلام لا ينطبق على بعض أسماء الفنانين ذوي التّجربة الجديّة، والغير مشمولين كفنانين "معاصرين"، فلا تأخذ صالات العرض أعمالهم لتشارك في مزادات عالميّة للفن التّشكيلي! بل أكثر من ذلك. بعض الأسماء التي أصبحت مُكرّسة، أيضاً وقعت بفخّ ما ادّعوا أنه مُعاصرة، لتصبح أعمالهم تزيينيّة، لا يتضمّنها أي همّ فنّي، والمكان هنا لا يحتمل مناقشة هذا  الموضوع، فقد بات المشاهد ضائع بالذي يحصل في المعارض.

 

المنحوتة إعادة تكوين

معرض منى السّعودي الاستعادي. معرض متنوّع بين لوحات من وحي شعر أدونيس، إلى شعر محمود درويش، إلى لوحات أخرى، سمّي بعضها بأسماء النّباتات أو الشّجر الموجودين في حديقة منزل الفنّانة. حين تقرأ إسم اللوحة تحضر أمامك شّجرة الليمون، أو النّبتة التي سُمّيت اللوحة باسمها، رغم أن السّعودي، تنتمي إلى المدرسة التجريديّة.

تقول منى بكتابها: "المنحوتة ليست نسخاً عن الطّبيعة بل إعادة تكوين.. حضورها إضافة إلى ما هو على الأرض".

ألوان منى السّعودي مشغولة بدقّة ونظافة بالغتين، كمنحوتاتها. خطوط متمكّنة بدقّتها. كل نقطة محسوبة، وبمحلّها، وكل خطٍ ذاهب إلى هدفه.

لم تعتمد السّعودي بكتاباتها للنصوص الشعريّة في لوحتها، على التخطيط التقليدي، بل امتاز خطّها بالجماليّة والخصوصيّة. ورغم التجريد الطّاغي إلا أنك تلمح من وقت لآخر ملامح وجه امرأة رصينة بهيّة الملامح، وكأنه رسم شخصي لتلك الإمرأة التي لا بدّ كانت حديديّة، لتستمر بمجتمعنا الشّرقي، تنحت الحجر، وتزيح من دربها كل إنسان أو ربما رجل، كان سيقف بطريق حريّتها، أو يقف بينها وبين ساحرها الأوّل والأخير، ألا وهو الحجر.

 


تعدّدت المواد والحجر هو الأبقى

منحوتة "ماء الحياة" للنحاتة منى السعودي
منحوتة "ماء الحياة" للنحاتة منى السعودي

 

استخدمت منى السّعودي أنواع عديدة من الأحجار، وكان الأحبّ إليها هو حجر الجاد الأخضر الأردني. تقول عنه: ولدت هذه المرأة اليوم في حجر أخضر/ ربّما كان من نبات جبال الأردن/ ولا تعرف إن كان اسمها وردة أو حجراً أو غيمة.  

تعدّدت المواد التي استُعمِلَت بالنّحت في العالم، من مواد بلاستيكيّة إلى معادن مختلفة، إلى مواد مستهلكة إلى مواد تتلف مع الوقت، أو تنتهي، كالثّلج والرمال، ومواد أخرى. وبقيت السّعودي تنحت بالحجر، أكثر المواد بقاءً. هل كان عليها أن تجرّب وتبحث في مواد أخرى، أو حتى تنتقل من مرحلة إلى أخرى، تبحث بها عن طرق مختلفة في التّعبير؟ هي لم ترتاح إلا للمدرسة التجريديّة الواحدة، التي وجدتها من أول طريقها الفنّي. هذا خيار اتّبعته وبقيت مخلصة له.

 

هل ينطق حجرها ويُخبر؟

مرّت منى بتجارب مختلفة في حياتها، ومنها المؤلم إلى أعمق ما يكون. في مراهقتها اختبرت معنى الموت حين توفي شقيقها الأقرب، والذي تفتّح وعيها الفكري والثّقافي على ما كان يقرأه عليها ويخبرها عنه، كقراءته لملحمة جلجامش وأمور فكريّة أخرى، وقضيّة فلسطين. التّجربة نفسها تكرّرت وهي بعزّ عمرها ونضوجها، حين عايشت مرض شقيقتها الطّبيبة والشّاعرة فتحيّة السّعودي، التي استقرّت في بريطانيا، وكان لها موعد يومي معها، في اتصالاتها الهاتفيّة. كانت معجبة بتلك الشّخصيّة التي عرفت الحرب اللبنانيّة عن قرب، ومارست مهنتها الإنسانيّة في المخيّمات الفلسطينيّة، شاهدة على أفظع المجازر "صبرا وشاتيلا"، فيما بعد استقرت في بريطانيا حيث عانت من المرض الخبيث، ولم تدعه يسيطر عليها، فكتبت الشّعر، ووقفت على المنابر تلقيه بأسلوب خاص بها، إلى أن ودّعتها من حوالي السّنتين. كانت تنظر إلى تلك الشّقيقة بإعجاب كبير، وتتألم لألمها وغيابها لاحقاً، دون شكوى، فالحجر صديقها. هل ينطق ويخبر ما أخبرته عنه ضربات إزميلها؟

 

ليلى تقبّل منحوتات جدّتها

بقيت منى تحاور الحجر، يتوّجها الكبرياء. تتحدّث عن حفيدتها التي تأتيها زائرة هي وشقيقها الصّغير وابنتها الفنّانة ضيا من وقت لآخر، من بلاد زوج الأخيرة، بريطانيا، فتدخل إلى بيت جدّتها، المحترف، تتفقّد كل منحوتة على حدا وتقبّلها. تنظر إلى يدي حفيدتها وكأنّها ترى بهما يديها التي خُلِقت لتحاور الحجر.

"الحجر الذي هو رداؤك وعريك، هكذا تخلعينه وتلبسينه. يتألّق حضورك الخفي. في هذا الصّمت يحكي".  

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك التحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]