عقل صلاح

كاتب فلسطيني وباحث مُختص بالحركات الأيديولوجية

ماذا تستهدف الجماعات الإرهابية في جريمة العريش؟

العملية الانتحارية التي نفذها أحد الجماعات الارهابية في آب/ أغسطس2017 ضد مجموعة الضبط الميداني التابعة لكتائب القسام على الحدود المصرية-الفلسطينية، كان نقلة نوعية غير مسبوقة ضد حماس منذ عقد على حكمها للقطاع، ولقد أثارت هذه العملية من جديد العديد من الأسئلة منها: هل المستهدف منها هو تحسن العلاقات المصرية-الحمساوية؟ وهل يوجد لتلك الجماعات ارتباطات خارجية؟ وهل للموساد الإسرائيلي علاقة بكل ما يحصل؟ ولعل مشاركة العميل أشرف أبو ليلة باغتيال القائد القسامي مازن فقهاء في آذار/مارس2017 أكبر دليل على أن الجماعات مخترقة وهناك من يوجهها لخلط الأوراق وإدامة توتر العلاقات الحمساوية-المصرية. يقودنا هذا إلى أن الصراع بين حماس والارهاب بدأ يأخذ شكلًا خطيرًا، بعد العملية الانتحارية، ولقد أصبح الطرفان يتعاملان مع بعضهما البعض من خلال اعتماد استراتيجية عدائية وهذه الاستراتيجية نابعة من التهديد المباشر الذي يشكله الإرهاب ضد حكم حماس.

  • ماذا تستهدف الجماعات الإرهابية في جريمة العريش؟
  • ماذا تستهدف الجماعات الإرهابية في جريمة العريش؟

يرى عدد من المحللين أن الهجوم الانتحاري هو رد على التفاهمات بين حماس والقاهرة التي تشمل دور حماس في تحجيم التنظيمات الارهابية داخل القطاع. ويعكس التفجير كذلك رفض المتشددين للمصالحة الجارية بين حماس ودحلان برعاية مصرية. ويعتبرون  أن حصول هذه المصالحة تعني نهايتهم.

ومن أبرز هذه التنظيمات تنظيم التوحيد والجهاد: يطلق عليه أنصار بيت المقدس، وهي جماعة تتبنى أفكار تنظيم القاعدة. يعتقد أن ظهورها الأول كان عام 2011، نتيجة الفراغ الأمني الناجم عن سقوط نظام حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك. فبدأت تنشط في القطاع والشريط الحدودي مع مصر، وسيناء. وتعود جذورها إلى الجماعات التكفيرية التي تشكلت في سيناء خلال تسعينيات القرن الماضي. أمير الجماعة هشام السعيدني كان له الدور الأبرز في تشكيلها، ونسبت للتنظيم تفجيرات شرم الشيخ ودهب ونويبع عام 2004 . الجماعة عبارة عن خليط من فلسطينيي القطاع ومصريين كانوا يتبعون جماعة التوحيد والجهاد إبان حكم الرئيس الأسبق محمد مرسي فقامت الجماعة بخرق الهدنة بين إسرائيل وحماس، مما دفع حماس لملاحقة عناصرها، وهذا ما دفعهم إلى الهروب إلى سيناء والاندماج بجماعة التوحيد والجهاد. وتحول اسم الجماعة إلى ولاية سيناء بعد إعلان ولائها لزعيم تنظيم داعش، أبو بكر البغدادي.

وعلى مستوى العلاقات المصرية-الحمساوية، يلقي تواجد عناصر متشددة فلسطينية في سيناء بظلاله على العلاقة بين حماس ومصر، ومحاولات التقارب بينهما. فخلال السنوات الماضية، دأبت الأجهزة الأمنية والإعلامية المصرية على تحميل حماس المسؤولية عن توفير المأوى والعلاج والتدريب والتسليح للعناصر الارهابية التي تُهاجم الجيش المصري في سيناء. وعلى الرغم من أن حماس كانت تُواجه هذه الادعاءات بالنفي وبالتشديد الدائم على حرصها على أمن مصر، إلا أن ربط مصر فتح المعبر بزيادة التعاون الأمني من قِبل حماس في ملف الارهاب، يشكل ضغوطاً أكبر على حماس لاتخاذ إجراءاتٍ أكثر عملية وحسماً إزاء الجماعات المتشددة. 

قال الناطق باسم وزارة الداخلية في القطاع إياد البُزم إن التحقيقات المكثفة التي أجرتها الأجهزة الأمنية في قضية التفجير الانتحاري في رفح على الحدود مع مصر، أظهرت أن كلاب ورفيقه كانا في طريقهما للتسلل إلى مدينة رفح المصرية عبر الشريط الحدودي الفاصل للانضمام إلى تنظيم ولاية سيناء فرع تنظيم داعش . وتبرز أهمية القطاع في كونه خزاناً بشرياً يمكن الاعتماد عليه لتجنيد المزيد من المقاتلين وتعويض خسائر داعش في مصر والإبقاء على الحرب مشتعلة لإنهاك الجيش المصري .

ويؤكد السفير المصري محمود فهمي أن "الحادث الأخير في رفح أثبت أن حماس حريصة على أمننا القومي، وأنها ليست من يرسل المقاتلين لسيناء وليست من يتعاون مع داعش، أن حماس تواجهها جماعات متشددة مدعومة إسرائيلياً، ....اليوم بات الأمر أكثر وضوحًا". معتبرا أن التفجير بما فيه من آلام إلا أنه كان دليلاً دامغاً على براءة حماس من أي علاقة مع هؤلاء المتشددين.

وفي هذا السياق، برز تزامن واضح بين اشتداد الحملة الحمساوية على العناصر الارهابية وتسارع إجراءات التعاون الأمني بين مصر وحماس. فاستقبلت القاهرة في كانون ثاني/ يناير 2017 وفداً من الأجهزة الأمنية لحماس لتناقش معه سبل تأمين الحدود، وتمخضت لقاءات وفد حماس والمسؤولين الأمنيين المصريين في أوائل حزيران/ يونيو2017 عن اتفاقٍ على إقامة منطقة عازلة بعمق 100 متر على طول الجانب الفلسطيني من الحدود المصرية. وما إن وُضعت هذه التفاهمات حيز التنفيذ، حتى قام تنظيم داعش بشن هجومٍ كبير على كمين البرث في سيناء موقعاً أكثر من عشرين قتيلاً في صفوف الجيش المصري، وخرجت التقارير الصحافية بعد ذلك لتتحدث عن مقتل بضعة شبان غزيين أثناء الهجوم. كشف الحادث عن مستوى كبيرٍ من التنسيق بين الجماعات الارهابية في القطاع ومصر، وكان بمثابة رسالة لقدرتهم على التأثير سلباً على أي تفاهماتٍ يتمّ التوصل إليها بين حماس ومصر.

إن العلاقات الحمساوية-المصرية تسير باتجاه التحسن وتلاقي المصالح، فمصر تسعى لزيادة التعاون الأمني وضبط الحدود وزيادة حدة الضربات الحمساوية للتنظيمات الارهابية وحماس تريد الولوج للعالم الخارجي عن طريق القاهرة وفتح المعبر وصولًا لرفع الحصار.

ومع اكتشاف الأجهزة الأمنية في القطاع لعدد من هؤلاء الشباب المشبوهين، والذين نجحت المخابرات الإسرائيلية في تجنيدهم، بهدف خلق حالة من الفتنة الدينية والفوضى الأمنية، وتكرار تحذيرات مصر من وجود عناصر من بين هؤلاء تقاتل إلى جانب داعش في سيناء، قامت حماس بتعزيز أمن الحدود مع مصر، والقيام بحملة اعتقالات واسعة ضد هذه العناصر للتحقيق معها.

من أبرز عوامل هبوط شعبية التنظيمات الارهابية في القطاع، ارتباط أعضاء من الجماعات مع جهاز الموساد الإسرائيلي: لقد لعب العديد من أعضاء التنظيمات دور الفاعل الحقيقي في العمليات الموجهة من قبل إسرائيل ضد المقاومة وقيادتها وتورط العديد من أنصارها في العديد من محاولات خلق الفوضى والفتن من خلال استهداف كوادر من فتح وحماس من أجل إشعال نار الفتنة بينهم. وتقوم إسرائيل بالتواصل مع المتشددين من خلال الإنترنت وإيهامهم بأنهم متشددين من الدول العربية فتغدقهم بالأموال وتسيطر عليهم من خلال توريطهم وتشغيلهم مقاولين عند الموساد لتنفيذ المهمات الصعبة بكونهم متدربين جاهزين.

قال ضابط الإستخبارات الأميركي السابق إدوارد سنودن، إن جهاز السي أي إي والمخابرات البريطانية تعاونتا مع الموساد لخلق منظمة إرهابية قادرة على جذب كل المتطرفين في جميع أنحاء العالم بمكان واحد. وفي كثير من الأحيان للإستفادة من ذلك لزعزعة استقرار الدول العربية، وأن زعيم داعش أبوبكر البغدادي تلقى تدريبًا عسكريًا مكثفًا لدى الموساد.

لقد تورط عميل الموساد أشرف أبو ليلة في اغتيال الشهيد الفقهاء عبر إطلاق أربع طلقات على رأسه من مسافة الصفر من مسدس كاتم للصوت بطريقة حرفية الموساد. وبالإضافة لبث حماس عبر وسائل الإعلام العديد من اعترافات عناصر إرهابية من الذين يعملون لصالح المخابرات الإسرائيلية، إن الأخيرة تستخدمهم مقاولي تخريب وهدم لاستقرار الأمن والسلم الأهلي وسهم مسموم لتنفيذ الاغتيالات لقادة المقاومة. إن الموساد هو من يتحكم بتنظيم داعش في القطاع والخارج، وما يؤكد هذا القول عدم استهداف داعش لإسرائيل وعلاج الدواعش في المستشفيات الإسرائيلية وغيرها من الوقائع.

يقودنا هذا إلى الجريمة البشعة والكبيرة التي حدثت في مسجد الروضة بالعريش في 24تشرين الثاني/نوفمبر2017 والتي حصدت أكثر من ثلاثمئة بين جريح وشهيد. وهي جريمة غير مسبوقة في مكان الاستهداف والتوقيت وعدد الشهداء. إنها جريمة يراد منها أولا تدمير الاستقرار والأمن المصري، وثانيًا إعادة الاعتبار لداعش بعد هزيمتها في كل من سوريا والعراق. وثالثًا افساد العلاقة بين مصر وحركة حماس. ورابعًا إبقاء معبر رفح مغلق من أجل إدامة الحصار، وأخيرا أن هناك جبهة جديدة وساحة جديدة داعش وعلى اتباع داعش التوجه لها وهي الساحة المصرية التي على ما يبدو ستكون الحلقة الجديدة من حلقات الدمار الشامل المخطط لها لتدمير الوطن العربي. ولكن على الرغم من بشاعة الجريمة إلا أنها تنم عن فشل ذريع لداعش من خلال استهداف المصليين في يوم الجمعة المباركة وهم في المسجد وهذا سيكون عاملًا مهمًا في تأييد الحكومة المصرية من قبل أهل سيناء بضرب كل ما يمت لهذه المجموعات المجرمة بصلة.

في السابق كانت الاتهامات من الإعلام الإسرائيلي وينساق خلفها الإعلام المصري بأن حماس هي من تقوم بالأعمال الإرهابية بكون أعضاء من سلفية القطاع يشاركون داعش سيناء هذه الأعمال، ولكن بعد قيام حماس بحماية الحدود والضربات العديدة التي وجهتها حماس للسلفية ألغت كل الاتهامات وحجمت دور إسرائيل في الوقيعة مابين حماس ومصر.

ويتجلى مما سبق، أن مستقبل العلاقة مابين حماس و السلفية ينحو نحو مزيد من التوتر والتأزم ولا مكان للتهدئة أو المهادنة بظل التقارب المصري الحمساوي، وتوقيع اتفاق المصالحة الفلسطينية برعاية مصرية. فحماس حاولت في السابق التفاهم مع السلفية بعدم المس في الأمن والعلاقات الخارجية والهدنة مقابل إطلاق سراح أعضاء السلفية ووقف ملاحقتهم. إلا أن السلفية سرعان ما نقضت كل التفاهمات فعاد التوتر سيد الموقف. فالسلفية في القطاع ليست وحدها من تحدد مستقبل العلاقة فالدور الأساسي في ذلك يعود للسلفية في سيناء التي تعتمد على الرافد البشري الغزاوي لاستمرار صراعها مع الجيش المصري. فموقف حماس الواضح في منع خرق الحدود والمحافظة على الاتفاقيات الأمنية مع جهاز المخابرات المصري من شأنه تعطيل نشاط السلفية في سيناء المصرية وكل ذلك يصب في زيادة حدة العداء لحماس.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً