نور الدين أبو لحية

كاتب وأستاذ جامعي جزائري

المشروع الصهيوني.. والمقاومة

إن كل ممارسة مهما كانت بسيطة ضدّ إسرائيل ومشاريعها تشكّل نوعاً من أنواع المقاومة، سواء كانت مسيرة أو مقالاً أو خطبة أو صورة توضع على وسائل التواصل الاجتماعي.. وغير ذلك .. كل ذلك يُعتبر نوعاً من أنواع المقاومة.

المقاومة لا تعني فقط حمل السلاح، بل كذلك كل أشكال الرفض، سواء من الجانب السياسي أو الاجتماعي أو الحضاري

من التصوّرات الخاطِئة التي يقع فيها الكثير من الناس حول المشروع الصهيوني في المنطقة الإسلامية، تصورّهم محدوديّته وانحصاره في جانبين مهمّين وخطيرين.. جانب القائمين عليه، وجانب الغايات المرادة منه:

أما جانب القائمين عليه، فمن الخطأ تصوّر ارتباطه المحدود والمنحصر باليهود.. أو بالديانة اليهودية، فاليهود جزء من المشروع، وليسوا كل المشروع، فأول القائمين والمؤسّسين لهذا المشروع هي قوى الاستكبار العالمي التي تريد أن تستحوذ على المنطقة، وأول من يؤمّن لها هذا الاستحواذ هو إقامة الكيان الغاصِب الذي يسمّونه "إسرائيل"، التي يريدون منها أن تصبح شرطي المنطقة، وموجّهها وحارسها من أية تيارات تريد أن تعيد للدول الإسلامية سيادتها.

وأما جانب الغايات المُراد منه، فاعتباره استعماراً عادياً مثله مثل أي استعمار آخر، ويربطونه حينها بمنطقة جغرافية هي "فلسطين".. بينما المشروع الصهيوني يريد ابتلاع المنطقة جميعاً، ولا يريد تلك الحدود الجغرافية الهزيلة التي يُقيم فيها اليهود.. ويمكننا من خلال الاطّلاع على استراتيجيته في المنطقة أن نرى أنه يسعى إلى تحقيق ثلاثة أنواع من السيطرة:

1 ـ السيطرة السياسية: وذلك عبر التحكّم في دوائر القرار في المنطقة الإسلامية جميعاً، بحيث لا تتحرّك إلا وفق المصالح الغربية.. وبذلك يحقّق نوعاً من الوصاية على الأمّة، والوصاية نوع من أنواع الاستعمار.

2 ـ السيطرة الاجتماعية: وذلك عبر البحث عن التطبيع بكل مستوياته مع الشعوب العربية، ليخترق الشعوب كما اخترق الساسة..

3 ـ السيطرة الحضارية والثقافية: عبر نشر المفاهيم الغربية العلمانية المادية التي تأسّست عليها الصهيونية والحضارة الغربية..

بناء على هذا فإن المقاومة لا تعني فقط حمل السلاح لضرب الكيان الصهيوني به، بل تعني كذلك كل أشكال الرفض، سواء من الجانب السياسي أو الاجتماعي أو الحضاري..

ولهذا فإن كل ممارسة مهما كانت بسيطة ضدّ هذا الكيان وضدّ مشاريعه تشكّل نوعاً من أنواع المقاومة، سواء كانت مسيرة أو مقالاً أو خطبة أو صورة توضع على وسائل التواصل الاجتماعي.. وغير ذلك .. كل ذلك يُعتبر نوعاً من أنواع المقاومة.

أما الجانب العسكري للمقاومة، وهو من جوانبها المهمة، ولا ينبغي الاستهانة به، ولكن ينبغي كذلك أن يكون محسوباً حساباً دقيقاً، فلا يمكن لفصيل ـ مهما كبر ـ مثل حماس أو الجهاد الإسلامي أو حزب الله، أو حتى دولة مثل سوريا أن يقوم وحده بضرب إسرائيل، لأن نتائج ذلك ـ في الوقت الحالي ـ كارثية بالنسبة له، ولا يفيد شيئاً.. بالإضافة إلى أنه قد يعطّل التحضير الاستراتيجي للمعركة الحقيقية.

وهذا يذكّرنا بمدى سطحية تفكير الذين ينتقدون الدولة السورية لأنها لم تطلق رصاصة واحدة على إسرائيل.. لأن تفكيرهم بسيط، فإطلاق الرصاص استعراض، وليس له أي مردود فعلي..

المردود الحقيقي هو رفض التطبيع، والمشاركة في محور المقاومة الرافض للمشروع بجملته.. أما تحرير الأرض عسكرياً، فذلك يحتاج إلى زمن كاف للتحضير للمعركة الاستراتيجية الكبرى التي تنتهي لا باستقلال فلسطين وتحريرها فقط، بل بتحرير جميع المنطقة من كل سدنة المشروع الصهيوني، ابتداء بحرّاسه من العرب.