عباس الزين

صحافي وكاتب سياسي.

أبو ظبي والرياض تشرعان أبواب "الخليج" و"البحر الأحمر" لـ أنقرة

منذ اندلاعها في الخامسِ من حزيران/يونيو العام الماضي، كان منتظراً من الأزمة الخليجية حسب الخطة الموضوعةِ لها، أن تكون باباً لـ ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، وحليفه ولي عهد أبوظبي، يدخلا من خلاله بنفوذهما القوي والمسيطر على منطقة الخليج العربي، ومن ثم العالم العربي بأكمله. لم تكن قطر وحدها هي المستهدفة، إلا أنها أولى المحطات.

  • وصول تركيا الى "الخليج الفارسي"، وتمركزها في الدوحة، متذرعةً بحماية الأخيرة، كان الإتجاه الثاني للمخطط التركي

بعد مرور أكثر من نصف عام، لا يزال إبن سلمان، وحليفه عالقان عند المحطة الأولى، لا بل أكثر من ذلك، إذ أن النفوذ الإقليمي الذي كان إبن سلمان وإبن زايد يطمحان لفرضه، انعكس انحصاراً أكبر، وفتح الطريق مفروشةً بالإتفاقيات السياسية والعسكرية والإقتصادية، أمام النفوذ التركي. وفي هذا، تبرز الإدارة غير المدروسة للأزمة، والإتكال الأعمى على الدعم الأميركي. لم تحقق الرباعية المقاطِعة لقطر، أي هدفٍ معلنٍ لمقاطعتها، فيما حققت تركيا على وجه الخصوص، معظم أهدافها غير المعلنة، من بحر الخليج الى البحر الأحمر، مروراً بخليج عدن. 

منذ البداية، رفعت السعودية والإمارات السقف عالياً بوجه قطر، حيث أن المطالب لم ترسل تدريجياً، للإبقاء على عنصر المناورة. وبعيداً عن مزاعم العلاقة القطرية-الإيرانية، فإنه على سلم أولويات الرياض وأبو ظبي، كان السيطرة على السياسة القطرية، وتجريدها من قوتها الإعلامية والدبلوماسية، وتحويلها الى تابعٍ لا صاحبة قرار، أو تأثير، حالها حال البحرين، التي تولت خلال الأزمة مهام المتحدث غير الرسمي، باسم الديوان الملكي السعودي.

خلال تلك الفترة، كانت الرباعية منتشية بالدعم الأميركي، الذي أبداه الرئيس، دونالد ترامب. إتهام قطر بدعمِ الإرهاب من قبلها، تزامنَ مع تلميحاتِ أميركية تصب في الإتجاه ذاته، في حين كانت اهداف ترامب، مختلفة عن أهداف أبو ظبي والرياض، وانفصلت في مرحلة معينة. لم تمضِ أسابيع حتى بدأت اللهجة الأميركية ضد قطر، تخف، مصحوبة باتفاقياتٍ عسكرية بمليارات الدولارات بين الدوحة وواشنطن. في الجهة المقابلة، كانت الرباعية لاتزال متمسكة بمطالبها وترفع من سقف المواجهة، ليظهر جلياً بعد ذلك، حجم التفاوتِ بين الخطاب الأميركي، وخطابي أبوظبي والرياض. سريعاً، إستغلت أنقرة هذا التفاوت، وانتقلت من مرحلةِ تهدئة الأوضاع، لصالح حليفها الخليجي، الى مرحلة الدعم السياسي والإقتصادي والعسكري العلني. هذا الدعم،كان يتركز في اتجاهين. 

الإتجاه الأول، تفويت أي فرصة على السعودية والإمارات، للتهويل بأي انقلاب ضدّ أمير قطر، تميم بن حمد آل ثاني، عبر إرسال قوات تركية الى الدوحة، تنفيذاً لاتفاقية موقعة بين الطرفين سابقاً. المعلومات أشارت حينها، الى وصول خمسة آلاف جندي تركي، إنضموا لـ مئتي عسكري، يحملون صفة "مستشارين". عسكرياً، لن تستطيع تلك القوات عديداً وعتاداً صد أي هجومٍ عسكري ممكن ان تشنه الرياض وأبوظبي، لكن وجودها يعيق أي قرار من هذا النوع، بما أن الرسالة تكمن في الأسباب لا بالعدد، بحيث أن أي تدخل عسكري مباشر سيتحول الى حربٍ إقليمية، فتركيا قادرة على نقل قواتها وبالأعداد التي تريدها في أي وقت. الى جانبِ أن وجود تلك القوات قادر على إفشال أي انقلاب، يتم تجهيزه، وهو ما كانت كشفته بعض الصحف التركية، التي أكدت أن تواجد القوات التركية منع الإنقلاب على إبن ثاني، على الرغم من نفي قطر لتلك الانباء. 

وصول تركيا الى "الخليج الفارسي"، وتمركزها في الدوحة، متذرعةً بحماية الأخيرة، كان الإتجاه الثاني للمخطط التركي. الآن، تتواجد أنقرة عسكرياً بشكلٍ مباشر، على شواطىء وموانىء بحر الخليج، وفي قلبه. هذا التواجد، هو نتيجة لتهويلٍ سعودي إماراتي بالإنقلاب أو التدخل العسكري، وهما مخططان إصطدما بعقباتٍ كثيرة، لتقف أبوظبي والرياض، بين التهويل بهما والتخلي عنهما عاجزتان عن اتخاذ أي قرار. ويبرز هنا، أن أحد المطالب التي رفعتها دول المقاطعة لقطر، لحل الأزمة ورفع "الحصار"، كان "انسحاب القوات التركية من قطر"، ما يشي أن التواجد الذي ارتفع منسوب تأثيره، كان تحدياً لتلك المطالب بالدرجة الأولى، الى جانب أنه يبرز الصراع التركي-السعودي، في المنطقة، ويؤكد التفوق التركي في تلك النقطة. 

لم تكتفِ تركيا بـ"الخليج"، بل إن الأزمة الخليجية وما رافقها من سياسات متهورة وغير محسوبة لـ إبن سلمان وإبن زايد، فتحت شهية أردوغان باتجاه البحر الأحمر. والى السودان، البلد الذي يشارك السعودية في عدوانها على اليمن، توجه الرئيس التركي، مستغلاً الحياد الذي أبدته الخرطوم في الأزمة الخليجية. فالرئيس السوداني، عمر البشير، طرح نفسه في بادىء الأمر وسيطاً بين الرياض والدوحة، متمسكاً بحياديته، الأمر الذي تبعه ضغوطاً من قبل السعودية على السودان من أجلِ اتخاذ موقفٍ حاسمٍ. تلك الضغوط، لم تزد الخرطوم إلا إصراراً على تجنب التخندق في حلفٍ ضد قطر، وفي الوقت ذاته، أوجدت شرخاً في العلاقة بين السعودية والسودان، بالأخص الوعود السعودية الإقتصادية، التي تم تجميدها، وهو المكان الذي ملأته تركيا بكل ثقلها، عبر توقيع 13 اتفاقية تجارية وامنية، خلال زيارة أردوغان الأخيرة الى السودان، من بينها تأجير جزيرة "سواكن" السودانية على البحر الأحمر، لتركيا لمدة 99 عاماً، من دون أن يطرأ أي تغيرٍ على الموقف السوداني من الأزمة الخليجية، فتركيا تريد "اكل العنب لا قتل الناطور"، وفق ما يقوله المثل الشائع. 

التصعيد من دون خطٍ للرجعة، والتعويل على الموقف الأميركي المتقلب حسب المصلحة الخاصة، فتح المجال لتواجدٍ تركي في بحر الخليج، والضغوط على السودان من أجل اتخاذ موقفٍ علني وصريح ضد قطر، مع عدم الأخذ بعين الإعتبار العلاقة التاريخية بين الدوحة والخرطوم والبعد "الإخواني" لها، أسس لتواجدٍ عسكري تركي على البحر الأحمر، ينضم الى القواعد العسكرية في الصومال التي اتخذت موقفاً حيادياً من الأزمة الخليجية أيضاً.  

الصومال منحت تركيا إمتيازات على خليج عدن الاستراتيجي، بافتتاح القواعد العسكرية التركية في مقديشو، في الأول من أكتوبر/تشرين الأول 2017، على خلفية الإتهامات التي وجهتها الصومال للإمارات بدعم انقلابٍ ضد الحكومة، ودعم "المجموعات الإرهابية"، الى جانب التوسع العسكري الإماراتي في ما يسمى بـ" جمهورية أرض الصومال" غير المعترف بها، والتي تتمتع بحكم ذاتي مناوىء للحكومة الصومالية الشرعية، وما رافق ذلك من ضغوطٍ مارستها أبوظبي والرياض على مقديشو، لاتخاذ موقفٍ حاسم الى جانبهما في أزمتهما مع الدوحة. فكان الرد الصومالي على المغامرات العسكرية الإماراتية والضغوط السعودية، بفتح أراضيها للتواجد العسكري التركي، ليظهر أن الرياض وأبوظبي لم تحافظا على حياد تلك الدول حتى، والتي تعتبر بوابة أي نفوذٍ الى القارة الأفريقية. 

صراع النفوذ الإقليمي، بين السعودية الإمارات من جهة،  وتركيا من جهةٍ أخرى، كان أحد الاسباب غير المعلنة لاندلاع الأزمة الخليجية. الصراع يأخذ بعدين، الأول أيديولوجي بعداء أبوظبي والرياض لجماعة "الإخوان المسلمين" ومخاوفهم منها. والثاني، بتضارب المصالح بين الطرفين على الرغم من التشابه في الإهداف، إذ أن الأدوار التي لعبتها كل من السعودية والإمارات وتركيا وقطر في المنطقة، صبت جميعها في خدمة اللإستقرار.  

وفيما كانت السعودية والإمارات تسعيان الى حصر النفوذ التركي، عبر الأزمة الخليجية ومقاطعة قطر، وفرض الشروط عليها، كانت تركيا تستغل التناقضات بين الرباعية والولايات المتحدة، بالإضافة الى الفرص التي سنحت لها كنتيجة للتهور السياسي السعودي والإماراتي، والذي مرده الإستعجال، وعدم إدراك حقيقة موازين القوى في المنطقة. لترتد محاولة حصار تركيا وتقويض نفوذها، بشكلٍ عكسي، عبر حضور إستراتيجي واسع عسكري وسياسي واقتصادي  لم يكن موجوداً قبل الأزمة، مهّد له وليا عهد أبو ظبي والسعودية، وكأنهما يعملانِ، لصالح تمدد النفوذ التركي، لا العكس، وهي خسارة إستراتيجية كبيرة، تلقاها إبن سلمان وإبن زايد.  

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً