عميرة أيسر

كاتب جزائري

التحديات أمام الدولة الجزائرية

تغيير البيئة المجتمعية للمواطن الجزائري البسيط، والانتقال من الدولة المُصنِّعة إلى الدولة الاستهلاكية، أدّى إلى تراكم حجم الدين العام للدولة، وبدّد حوالي 2 مليار دولار تركها الرئيس بومدين في الخزينة الجزائرية، وهنا استغلّت الدوائر الاستخباراتية الفرصة، وأوعزت إلى مدير الاستخبارات الأميركية جورج بوش بأن يعمل على تأزيم الأوضاع في الجزائر، بين مختلف التيارات السياسية والفكرية والأيديولوجية، والتي كانت تمتلك قواعد شعبية عريضة كالإسلاميين والنيولبراليين وأنصار التيار الشيوعي الماركسي، وذلك عندما ألقى محاضرته الشهيرة في كلية الشرطة في الأبيار سنة 1982م والتي جاء فيها بأن الخطر الذي يُهدّد كيان الدولة الجزائرية، يكمن في التيار الإسلامي الأصولي بالإضافة إلى الدولة الليبية، مُستغلاً بذلك التظاهرات الحاشِدة التي انطلقت من أمام مبنى الجامعة المركزية بتاريخ 12 تشرين الثاني/ نوفمبر 1982م، وقد طالب المتظاهرون من الرئيس الشاذلي بن جديد  فيها برفع الظلم عنهم، وتحصين الجبهة الداخلية من مظاهر الغزو الفكري والثقافي الذي بدأت تطغى على المجتمع الجزائري، ومحاربة الفساد الذي استشرى في مؤسّسات وهياكل الدولة المختلفة.

التحديات أمام الدولة الجزائرية
التحديات أمام الدولة الجزائرية

هذه الهياكل المُعادية للجزائر، عملت في تلك الفترة على خلق المناخ الحيوي لتنفيذ مخطّطاتها لضرب استقرار الدولة وضمان تفكُّكها التدريجي، واستغلّت الأزمة السياسية الخانِقة التي عرفتها البلاد بعد وقف المسار الانتخابي سنة 1992م، وما أعقبه من حوادث أمنية أليمة كان مخطّطاً لها منذ زمن طويل جداًّ، حسب العديد من الكتابات التاريخية والشهادات الموثّقة لصُنّاعها، وعاشت البلاد أحداثاً أليمة طيلة 10 سنوات، خرجت منها بشقّ الأنفس وهي تعيش أوضاعاً مأساوية على كافة الأصعدة والمستويات، وهذا ما أثّر كثيراً على تماسك البناء الوظيفي لعمل أجهزة الدولة، وأنهك الاقتصاد الوطني فأصبحت الجزائر مُدانة بأكثر من 30 مليار دولار، بعد أن لجأت إلى الاقتراض مُجبَرة من صندوق النقد الدولي في سنة 1989م واضطرت إلى اللجوء لعملية إعادة جدولة لديونها سنة 1994م، وكانت من نوع الأوّلي، وفي سنة 1995م  اقترضت البلاد ثانية من نفس تلك الجهة المالية الدولية، وكانت القروض تتبع لنظام التمويل الموسّع بعد ارتفاع خدمة الدين العام.  

وكانت تلك القروض تفرض على الدولة الجزائرية، والتي كان يقودها الرئيس اليامين زروال أطال الله في عمره، شروطاً سياسية واقتصادية قاسية ومُرَّةً كالعلقم، ولكن كانت القيادة السياسية تدرك جيّداً بأن تلك الشروط لم تكن سوى حصان طروادة التي تريد من خلاله هذه الهياكل أن تسيطر على القرار السياسي والأمني والاقتصادي في الجزائر، فهذه القوى الاستعمارية المُعادية هي مَن تتحكّم وتموّل  في ما يُعرَف بصندوق النقد الدولي، والذي يُعتبَر أحد مخرجات النظام الدولي العولمي الذي تشكّل عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، وسيطرة القطبية العولمية الثانية على تسيير شؤونه كافة.

وشهدت البلاد تحوّلاً استراتيجياً في علاقتها مع هذه القوى المُعادية، بعد أن حدثت تحوّلات مهمة في العلاقات الدولية، وارتفعت أسعار المحروقات في مع بداية سنة 2002م في الفترة الرئاسية الأولى للرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة، وتخصيص الدولة لحوالى 22.6 مليار دينار حتى نهاية سنة 2014م ، منها حوالى 6.634 مليار سنتىيم كتعويضات فقط، وذلك لدعم البنية التحتية وتعويض ضحايا المأساة الأمنية الوطنية، وعملت في نفس الوقت الدوائر الاستراتيجية ومخابر البحوث والدراسات الأمنية والعسكرية، على تفعيل الموارد المالية للدولة، واستغلالها الاستغلال الأمثل لبناء جيش وطني، عصري مُدرّب لحماية البلاد من التهديدات والأخطار المُحدقة بها، بعد الانتهاء من دفع القسم الأكبر من ديون البلاد الخارجية التي كانت التحدّي الأبرز أمام مؤسّسات الدولة، وعندما بدأت الدولة الجزائرية في تحقيق إنجازات مهمة على المستويات الدبلوماسية والأمنية، ورفضها لمشاريع التقسيم في المنطقة ومشروع الفوضى الخلاّقة الأميركي، والذي جاء لتكريس الهيمنة الغربية الصهيونية على منطقة الشرق الأوسط، استخدمت هذه الهياكل المُعادية نفوذها. وحاولت الضغط باتجاه إقناع الجزائر بأهمية  إقامة قواعد عسكرية دائمة لها فوق أراضيها.

بعد أن نجحت تلك الهياكل المُعادية، في تطويق البلاد أمنياً واستخباراتياً عن طريق استخدام المجاميع الإرهابية وتشجيع الحركات الانفصالية في النيجر ومالي وليبيا، والشروع في إقامة قواعد عسكرية دائمة فيها، وكذلك حاولت استغلال الأزمة المالية والاقتصادية للبلاد، للضغط على السلطة السياسية لتقديم المزيد من التنازلات الاقتصادية عن طريق خصخصة المزيد من المؤسسات العمومية، وصولاً إلى التنازل التام عن السيادة الوطنية الاقتصادية، وهذه هي البوابة الأساسية لإعادة استعمار البلاد، بعد أن فشلت عن طريق عملية تيقنتورين الإرهابية  التي جرت وقائعها بتاريخ 16 يناير/ جانفي سنة 2013م، في تفجير أنبوب الغاز الذي ينقل الغاز الجزائري باتجاه أوروبا لإحداث أزمة دبلوماسية وطاقوية عالمية، تكون الجزائر هي الخاسِر الأكبر فيها.

بالإضافة إلى أن هذه القوى المعادية تحاول أن تضغط على الجزائر، بشتىَّ السُبل والوسائل المُتاحة لكي تتخلّى عن خطها السياسي الوطني الداعم لحركات التحرّر العالمية، ولحقِّ الشعوب في تقرير مصيرها، بالإضافة إلى وقوفها الدائم إلى جانب القضايا العربية وتصدِّيها لمشاريع  الهيمنة الاستعمارية في المنطقة، ويبدو أن القيادة العسكرية والسياسية واعية بكل هذه المخطّطات، لذلك لجأت لاتخاذ إجراءات اقتصادية وسياسية حازِمة في الآونة الأخيرة، وهذا ما يؤكّد على أن دوائر البحث الاستخباراتي التي تزوّد هذه المؤسّسات السيادية بأدق التفاصيل عن الوضع الداخلي والخارجي للبلاد، مُدركة لحجم التحديات المفروضة من طرف هذه الهياكل المُعادية على الجزائر.