محمّد سلام

إعلامي وكاتب صحافي عراقي

التعقيدات المفتعلة في نظام الانتخابات العراقية

لإشكالية ليست بالوجوه بقدر البرامج والآليات والإرادة، ظروف العراق الحالية لا توحي أن الوجوه الجديدة ستكتسح المشهد بعد الانتخابات، وفي هذه الحال على المواطن أن يعي جيّداً أن الاختيار الصحيح لايعني مُعاقبة جميع المُرشّحين أو الأحزاب القديمة بعدم انتخابها، بل بالانتخاب على أساس البرنامج المُقدّم من قِبَل الشخص أو الكتلة أو الكيان أو الحزب، ولا ينتهي الأمر عند هذا الحد بل على المواطن أن يُراقب بوعي ما مدى تنفيذ هذا الحزب أو المُرشّح لبرنامجه الذي وعد به قبيل الانتخابات، ومن هذا المُنطلق بناء على تجارب سابقة سيكون المواطن مُشخّصاً للشخصيات التي تستحق أن تصعد إلى المرحلة المقبلة ليثبت نجاح مرحلة ما بعد الانتصار على الإرهاب.

سيكون المواطن مُشخّصاً للشخصيات التي تستحق أن تصعد إلى المرحلة المقبلة ليثبت نجاح مرحلة ما بعد الانتصار على الإرهاب

في انتخابات عام 2005 انتخابات مجلس النواب الدائِم، التي كانت تُعدُّ ثالث عملية اقتراع بعد سقوط النظام في 2003، بعدما صوَّت العراقيون على انتخاب الجمعية الوطنية ثم التصويت على دستور البلاد، كان العراق في 2005 دائرة انتخابية واحدة وتم اعتماد نظام القائمة المُغلَقة، أما في انتخابات عام 2010، انتقلت العملية الانتخابية إلى القائمة المفتوحة "يتم التصويت للقائمة والمُرشّح"، وأصبح العراق يتمثّل بـ 18 دائرة انتخابية على عددِ محافظاته ولكل 100 ألف نسمة ممثّل في البرلمان، ثم وافق مجلس النواب العراقي في عام 2013 على اعتماد طريقة "سانت ليغو" في انتخابات مجالس المحافظات ومجلس النواب، وبالفعل سار الاستحقاقان الانتخابيان 2013 و2014 على هذه الطريقة في احتساب الأصوات.

سانت ليغو هي طريقة سُمّيت على إسم مُخترعها عالِم الرياضيات الفرنسي عام 1910، طريقةٌ رياضيةٌ مُعقّدةٌ تعتمد التقسيم على الأعداد الفردية، يعني مجموع أصوات الكتلة تُقسم على (1 ثم 3 ثم5 ثم7...) حتى يكتمل عدد المقاعد في الدائرة الانتخابية الواحدة.

وسانت ليغو المُعدّلة هي طريقة أخرى وأكثر تعقيداً وتعتمدها دولٌ بارِزة منها مملكة السويد، ويكون فيها الآتي.. مجموع أصوات الكتلة الانتخابية تُقسَم على (1.4 أو 1.7 ثم 3 ثم 5 ثم 7 ...).

العراق يعتمد الطريقة المُعدّلة 1.7 كما توافقت عليها الكتل البرلمانية في قانون الانتخابات، تُتّهم هذه الطريقة بتكريس هيمنة الأحزاب الكبيرة على المشهد وتُقلّل فُرَص الأحزاب المتوسّطة والصغيرة، فالعملية السياسية العراقية تسيطر عليها أحزاب كبيرة بعد التغيير عام 2003 وحتى اليوم.

ولكلِ مرحلةٍ محطّات للنجاح وأخرى للفشل، لكن مبدأ المُحاصَصة الطائفية والجهوية نخر مؤسّسات الدولة بالفساد المالي والإداري، وبات الشارع يُطالب بالتغيير وتبديل وجوه فشلت في التصدّي للحفاظ على البلاد، وأخذت على أثر تلك المُناشدات التي تمثّلت بتظاهرات كبيرة طالبت بالتغيير، أخذت تتشكّل أحزابٌ صغيرةٌ طرحت نفسها بديلاً ناجحاً في المرحلة المُقبلة، لكن كم ستحصد هذه الأحزاب من الأصوات؟.

طريقةُ سانت ليغو المُعدّلة 1.7 تفقد العديد من الأصوات التي ستحصل عليها الأحزاب والكيانات في أول عملية تقسيم، فستكون الغَلَبة للأحزاب الحاصِلة على أكبر نسبة من الأصوات.

هذا يعني أن التغيير المنشود على أثر الانتخابات المقبلة قد يكون التمثيل بسيطاً فيها للأحزاب الصغيرة إذا كان الفرق شاسِعاً بينها وبين الأحزاب المُسيطرة على المشهد، ذلك يعني أن التغيير هنا منطقياً سيكون عبر الضغط الشعبي على الأحزاب الكبيرة التي ستُشكّل الكتلة الأكبر داخل مجلس النواب (مجموعة كتل أو كتلة تُشكّل 50+1)، لتتخلّى تلك الأحزاب عن الكثير من المُمارسات الخاطِئة التي أرهقت البلاد والعباد مثل المُحاصَصة وتكريس مبدأ الطائفية السياسية والقومية والمناطقية.

التعويل على إصلاح المُمارسات الحزبية السلبية أكثر واقعية من فكرة اقتلاع الطبقة الحالية والإتيان بوجوهٍ جديدة، بل لايمكن حتى أن تتساوى الأحزاب القديمة والجديدة إلا شرط تحقيق المثال الآتي وفق سانت ليغو المُعدّل 1.7، مثلاً يكون مجموع ما تحصل عليه الوجوه القديمة والجديدة هو ( الكتلة أ.. القديمة، تحصل على 1000000 صوت والكتلة ب.. الجيّدة، تحصل على 1000000 صوت أيضاً)، وهذه المعادلة أيضاً من الصعب أن تتحقّق في العراق الآن.

وفقاً لما تقدّم، هل الأحزاب الكبيرة يمكن أن تُصلِح مسارها؟.

الجواب وفقاً للكثير من الوقائع سيكون نعم، فقيادات سياسية بارِزة باتت ترفض الشراكة أو المُحاصَصة، وتُطالب منذ سنوات بحكومة الأغلبية السياسية، بينما شخصيات أخرى تُطالب بحكومة الكفاءات أو التكنوقراط وإبعاد المُحاصَصة الطائفية من أدبيات العملية السياسية، وحتى الأحزاب الصغيرة أو الحديثة التي تطرح منهجاً جديداً، تقودها شخصيات أنشقّت من الأحزاب الكبيرة في الأساس، وهذه الحال شوهِدَت في الأحزاب الكردية والعربية بشقّيها الشيعي والسنّي وحتى الحركات التركمانية.

وإذا كان السؤال هل نظام الانتخابات سيُعيد ذات الوجوه؟

الجواب: الإشكالية ليست بالوجوه بقدر البرامج والآليات والإرادة، ظروف العراق الحالية لا توحي أن الوجوه الجديدة ستكتسح المشهد بعد الانتخابات، وفي هذه الحال على المواطن أن يعي جيّداً أن الاختيار الصحيح لايعني مُعاقبة جميع المُرشّحين أو الأحزاب القديمة بعدم انتخابها، بل بالانتخاب على أساس البرنامج المُقدّم من قِبَل الشخص أو الكتلة أو الكيان أو الحزب، ولا ينتهي الأمر عند هذا الحد بل على المواطن أن يُراقب بوعي ما مدى تنفيذ هذا الحزب أو المُرشّح لبرنامجه الذي وعد به قبيل الانتخابات، ومن هذا المُنطلق بناء على تجارب سابقة سيكون المواطن مُشخّصاً للشخصيات التي تستحق أن تصعد إلى المرحلة المقبلة ليثبت نجاح مرحلة ما بعد الانتصار على الإرهاب.


 
}