عوني الحمصي

أكاديمي سوري، محلل في العلاقات الدولية

مسار المعركة بعد تحرير الغوطة ليس كما قبلها

معركة الغوطة الشرقية ستنعكس على باقي المناطق التي تتجمّع فيها الجماعات المسلّحة سواء في الجنوب أو في الشمال، في تزايد سقوط المتتالية الهندسية والحسابية لهذه الجماعات ومن خلفهم في سوريا. في المقابل تتصاعد وتيرة الانتصارات للجيش السوري والحلفاء على الإرهاب.

من أهم مدخلات الانهيارات التي تعيشها الجماعات المسلّحة كان إسقاط الطائرة الإسرائيلية

في كل مرحلة من مراحل الانتصار على الإرهاب وفي أية بقعة جغرافية يتواجد فيها من أرض سوريا، ما بعدها ليس ما قبلها، لتفتح الأبواب والخيارات للجيش السوري في مقابل تضييق الخناق على الجماعات المسلّحة ومن خلفهم، لتسقط مع سقوط الإرهاب كل المعادلات والحسابات ورهانات الدول الدعمة لهم. هذا يعني حتمية سقوط مشاريعهم التدميرية والسياسية والاستراتيجية المرحلية والمستقبلية دفعة واحدة. فعلى سبيل المثال لا الحصر، في تحرير حلب الشرقية، لم تدحر الجماعات المسلّحة فحسب، بل سقط المشروع الأردوغاني، فكانت حلب مقبرة "العثمانية الجديدة " في المنطقة، لتغلق حلب أبوابها أمام هذا المشروع العثماني ولتحدّد البوصلة باتجاه الشرق السوري لتحرير ديرالزور التي سقطت بتحريرها الخطوط الحمراء، التي توهّمت الولايات المتحدة في رسمها في المنطقة الشرقية بالرغم من الدعم اللوجستي المباشر لتنظيم داعش.

ومع تقدّم الجيش السوري ومحاصرة الغوطة الشرقية بدأت بالتهاوي والسقوط الدفعات الهندسية للجماعات المسلّحة وداعميعا، وانعكاسات الانتصار تتجاوز الحدود الجغرافية للغوطة التي تقدّر ب 315 كم مربع، استعاد الجيش السوري منها 209 كلم مربع إثر عمليات موسّعة من عربين وجوبر وحزة وحوش الأشعري وحرستا والشيفونية ومديرة وغيرها، بتدمير التحصينات الداخلية وتقطيع أوصال الإرهابيين بين المدن والبلدات التي تنفّذ أجندات خارجية.

ولعلّ من أهم مدخلات الانهيارات التي تعيشها الجماعات المسلّحة كان إسقاط الطائرة الإسرائيلية المعتدية على السيادة السورية دعماً للإرهاب، لتشكّل بداية وضع حد للرعونة الصهيونية وتصاعد المتتالية الهندسية والحسابية لانتصارات الجيش السوري، مع الأخذ بعين الاعتبار ما أشبه اليوم بالأمس الحاضر في نفوس أصحاب الكرامة والعزّة الوطنية والعربية المقاومة للمشروع الصهيو - أميركي. فها هو سلاح الدفاع الجوي السوري وبخبرات وطنية سورية ترسم ملامح النصر دائماً في العاشر من شباط لعام 2018 ، لتعيد فينا روح وكبرياء يوم العاشر من رمضان لعام 1973، ربما صدفة القدر لتتّضح الصورة والرؤية في صوابية حربنا وقدسيّتها من حرب التحرير إلى حرب التطهير.

ولا نبالغ إذا قلنا إنها كانت منذ البداية واضحة المعالم مما خُطّ ورُسِم للمنطقة من فوضى لزعزعة الأمن والاستقرار من خلال محاولات شيطنة الدولة السورية، أما الرد فكان القضاء على الجماعات المسلّحة على مداد الجغرافية السورية وعودة الأمن والأمان للكثير من المناطق السورية. بمعنى آخر، لقد ولّى زمن الأدوات والوكلاء ليظهر الأصيل والمُدبّر والمخطّط الصهيوني – الأميركي للمنطقة من خلال التدخّل والدعم المباشر للجماعات المسلّحة لرفع معنوياتهم وترتيب صفوفهم وإعادة تجميعهم وتشكيلهم بتسميات مختلفة، وخاصة بعد الفشل الذريع للولايات المتحدة في الطلب بوقف الأعمال القتالية لمدة شهر، والذي واجهه الرفض من قِبَل الطرف الروسي والسوري والإيراني. فكان العدوان الأميركي على قوات شعبية تقاتل بقايا داعش في المنطقة الشرقية لتشتيت أنظار الجيش السوري في محاربة جبهة النصرة في ريف حماه الشمالي الشرقي وريف حلب الجنوبي وريف إدلب الجنوبي الشرقي.

الرد السوري السريع والمُباغِت كان في تحرير ذلك الجيب المثلّث بين أرياف المحافظات الثلاث، والذي تبلغ مساحته 1100 كلم مربّع بين تلك المناطق. من هنا، إن ما بعد عملية تحرير الغوطة ليس كما قبلها، فقد أسقطت هذه المعركة كل الحسابات والرهانات لدول العدوان على سوريا. ونعتقد أن هذا الأمر سينعكس على باقي المناطق التي تتجمّع فيها الجماعات المسلّحة سواء في الجنوب أو في الشمال، في تزايد سقوط المتتالية الهندسية والحسابية لهذه الجماعات ومن خلفهم في سوريا. في المقابل تتصاعد وتيرة الانتصارات للجيش السوري والحلفاء على الإرهاب.