أوس أبو عطا

شاعر وكاتب فلسطيني

انسحاب ترامب من سوريا إلى أين؟

تصريح دونالد ترامب قد ناقض ونقض كل التصريحات السابقة للمسؤولين في الحكومة الأميركية، فقد كان وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس قد أعلن أكثر من مرّة، أن قوات بلاده ستظلّ في سوريا لفترةٍ طويلةٍ، كذلك جرى الحديث بشأن احتمال زيادة عددها، هي اليوم حوالى 2000 وقد يتضاعف العدد حسب النيّة الأميركية.

الانسحاب الأميركي إن حدث سيكون هو بمثابة ترضية لتركيا وللحكومة السورية وروسيا

الرئيس الأميركي دونالد ترمب فاجأ الجماهير الغفيرة في أوهايو بقوله "سنسحب قواتنا من سوريا"، وأبلغ مستشاريه "سنغادر إذا قضينا على جيوب (داعش) المُتبقيّة".

إن تصريح دونالد ترامب قد ناقض ونقض كل التصريحات السابقة للمسؤولين في الحكومة الأميركية، فقد كان وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس قد أعلن أكثر من مرّة، أن قوات بلاده ستظلّ في سوريا لفترةٍ طويلةٍ، كذلك جرى الحديث بشأن احتمال زيادة عددها، هي اليوم حوالى 2000 وقد يتضاعف العدد حسب النيّة الأميركية المُبيّتة، كما أن ماتيس وريكس تيلرسون ( وزير الخارجية الأسبق)، سبق أن تحدّثا عن ضرورة بقاء الولايات المتحدة منخرطة في سوريا، ليس من أجل منع عودة تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" فقط وإنما أيضاً في إطار "المعركة على النفوذ بين دول عدّة، ومن بينها روسيا وإيران".

إن هذا الانسحاب الأميركي المزعوم لو تحقّق فهو لصالح الدولة السورية وحلفائها وأعدائها،  فهو في صالح تركيا والقسم الأكبر من المعارضة وحلفائها (فصائل الشمال) المدعومة تركياً، فهذا يعني أن أميركا تركت الكرد ليواجهوا مصيرهم وحدهم في وجه المارِد العثماني الذي يحاول الخروج من القمقم، وفضّلوا الحليف التركي العضو المؤسّس في حلف الناتو على الميليشيات الكردية الانفصالية.

الخاسِر الأكبر من هذا هو إسرائيل والعربية السعودية، والفصائل التي تتلقّى الدعم منهما، كفصائل الجنوب وجيش الإسلام، في ظلّ تقارير إعلامية تتحدّث عن توجّه القوات السورية والرديفة إلى جبهة الجنوب عقب الانتهاء من الغوطة الشرقية، لكن المُفارقة تكمُن في أن ترامب أطلق تصريحاته إبان زيارة بن سلمان للولايات المتحدة والتي ستستمر لحوالى ثلاثة أسابيع، فهل هذه طريقة جديدة للابتزاز، بعدما وصلت الصفقات المُبرَمة بين الطرفين لأكثر من 660 مليار دولار؟

ما يُرجّح هذه الفرضية تصريحات بن سلمان، حيث ناشد الأخير في مقابلة له مع مجلة "Time" الأميركية، واشنطن أن تُبقي قواتها في سوريا للتصدّي للنفوذ الإيراني.

فالعربية السعودية على استعداد تام لإنفاق المزيد والمزيد لمُناهضة النفوذ الإيراني في منطقة الشرق الأوسط، وما 900 مليون دولار التي طالب فصيل جيش الإسلام بإخراجها من مدينة دوما إلا خير دليل على الإنفاق السعودي الهستيري لمُجابهة النفوذ الإيراني في المنطقة.

ومن الواضح أيضاً أن العربية السعودية وإسرائيل لديهما نفس الحجّة والتبرير لدعم المُعارضة السورية ومناوءة حُكم الأسد، وتوجيه ضربات عسكرية لقطع الجيش العربي السوري ( إسرائيل فقط) ألا وهو ضرب النفوذ الإيراني وتحجيم دور إيران في المنطقة، فهما يزعمان ألا عداء مع سوريا وشعبها ولكن العداء كل العداء لإيران وقوّاتها الداعِمة للحكومة السورية.

إن انسحاب الولايات المتحدة المُفترَض من سوريا قد يكون محاولة للهروب من هزيمة مُحقّقة، فلليوم لم تتعرّض قواتها لأيّ هجوم لكن أدواتها في المنطقة تنحسر بعدما ضربت بعضها بعضاً، فأميركا في سوريا تضرب أميركا، فهناك الكثير من الفصائل التي تلقّت دعماً أميركياً، تحارب قوات قسد المدعومة أميركياً أيضاً.

وهو قد يكون لإرضاء تركيا وإعادتها إلى الحظيرة الغربية ومحاولة منع تحويلها إلى حليفٍ قوّي وموثوق لروسيا وإيران في المنطقة، وهو أيضاً قد يكون خطوة وقائية، بعد عزم ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي ونقل السفارة إلى القدس، واكتمال أضلاع حكومة الحرب بتعيين جون بولتون صاحب الشارِب الكثّ والحقد والعدائية ضد فلسطين وإيران على التوالي.

فالانسحاب الأميركي إن حدث سيكون هو بمثابة ترضية لتركيا وللحكومة السورية وروسيا، لكن المُتضرّر الأكبر منه هو السعودية وإسرائيل، وللمفارقة فإن الجمهورية الإسلامية الإيرانية ستكون قد خسرت هدفاً سهلاً كان في مُتناول اليد.