رامي أبو زبيدة

باحث متخصص بالشأن العسكري

دلالات كشف الاحتلال لأنفاق المقاومة ميدانياً

الكشف عن أنفاق المقاومة خلال الأشهر الأخيرة عن طريق تكنولوجيا خاصة بكشف الأنفاق لا يبدو مجرّد كلام، ولا يمكن أن تغامر "إسرائيل" على لسان زعيمها الأول وعلى ألسنة المستوى الأمني الأول فيها بفضيحة علمية ستنكشف سريعاً؛ بيد أنه من المعقول أن ثمة تقدّماً بحثياُ علمياً ربما لا زال في بداياته، وبالتأكيد لا زال قاصراً عن تقديم حلول قطعيّة ويواجه الكثير من الصعوبات والمعضلات ومحدودية القدرات.

حاول الاحتلال عبر الدعاية الكبيرة تعزيز الجبهة الداخلية، لا سيما الذين يطالهم تهديد الأنفاق
حاول الاحتلال عبر الدعاية الكبيرة تعزيز الجبهة الداخلية، لا سيما الذين يطالهم تهديد الأنفاق

أي عمل بشري يحتمل نسباً معينة من الخطأ، وعمليات حفر الأنفاق يدخل فيها الخطأ البشري والعوامل الطبيعية من تربة وأمطار وغيرها من متابعة أمنية واستخبارية، فالاكتشافات الأخيرة مبنية على الأمور التكنولوجية الناقصة والجانب الاستخباري وعمليات الرصد والمتابعة التي من دونها لن تكون وسائلهم التكنولوجية ذات فاعلية، مشكلة الأنفاق لم تنته بعد وإن التكنولوجيا الأخيرة وبعكس الشائع في وسائل الإعلام لم تحل المشكلة بشكل كامل، كل ذلك يؤكد وجود دلالات وأهداف أخرى للعدو من إعلانه المتكرّر عن اكتشاف نفق هنا ونفق هناك ، ومن خلال متابعتي البحثية لأنفاق المقاومة وإعلانات العدو المتكرّرة لاكتشاف الأنفاق يمكننا ملاحظة النقاط التالية:
• الاحتلال يريد تأمين رعب مضادّ يحتاج إليه أمام رعب الأَنْفاق الهجومية، وخلق حال إحباط لدى العاملين بالأنفاق والحاضنة الشعبية للمقاومة، ويزيد المخاطرة المادّية التي تتكبّدها المُقاوَمَة مع كلّ نفق يُحفر، كأنّه يرسي المعادلة الآتية: إن كان كلّ نفق هجومي تقدّر كلفته من عمّال وموادّ بمئات الآلاف أو الملايين من الدولارات، فهو بعد إنشاء العائق الأرضي يكشف في دقائق من دون كلفة إضافية.
• يهدف الاحتلال من ذلك أن تتردّد المقاومة و تتباطأ في بناء الأنفاق طالما شعرت أن الاحتلال الإسرائيلي قد أوجد الحل السحري لمشكلة الأنفاق الاستراتيجية .
• محاولة منه لتأليب الرأي العام العالمي على المقاومة من خلال الحديث عن استثمار ملايين الدولارات في حفر الاأنفاق ، بدلاً من استثمار هذه الأموال في التخفيف من معاناة سكان القطاع، وفي هذا الإطار يقوم الاحتلال بتنظيم جولات للمبعوثين والسفراء الدوليين للأنفاق المكتشفة آخرها كانت جولة لمبعوث الرئيس الأميركي للسلام جيسون غرينبلات .
• غالباً ما تكون الأنفاق المكتشفة إما إنفاقاً قديمة تم استخدامها خلال معارك المقاومة مع الاحتلال ، أو أنفاق اكُتشفت منذ فترة نتيجة لعوامل الطبيعة أو الجهد الاستخباري الميداني على الأرض، ولكن العدو يختار أوقاتاً محدّدة لاستثمار اكتشافها ميدانياً، وهذا كان واضحاً في اكتشاف نفق رفح الأخير ، وهنا يقول أليكس فيشمان المحلّل العسكري الإسرائيلي "في إسرائيل، كان لديهم معرفة حول النفق الذي حُفِر تحت معبر كيرم شالوم، ولكن في الآونة الأخيرة كانت الظروف مواتية لتحييده، والمعلومات حوله واردة منذ عدّة أشهر، وربما كانت الأطراف المهتمة في المنطقة مهتمة بانتظار تدمير هذا النفق، والعمل في الوقت المناسب الذي يخدم أيّ غرض عسكري أو سياسي"، واليوم من الواضح أن من الأهداف عن تحديد هذا الوقت للإعلان عن اكتشاف نفق جباليا هو التأثير على مسيرة العودة الكبرى عبر تغيير الرواية التي باتت تسيطر على العالم حول سلمية هذه المسيرات .
• يحاول الاحتلال عبر الدعاية الكبيرة تعزيز الجبهة الداخلية، لا سيما الذين يطالهم تهديد الأنفاق، والبحث عن شركاء دوليين في مجال الاستثمار في أبحاث تكنولوجيا الأنفاق، حيث يلاحظ تركيزاً كبيراً على حجم الإنفاق الإسرائيلي الكبير على الأبحاث الخاصة بهذه التكنولوجيا .
• من الممكن أن يكون لاستعراض إسرائيل لقدراتها في مجال الأنفاق أهداف اقتصادية تتعلّق برغبتها في تشغيل صناعاتها العسكرية من خلال تصدير أسلحتها، الأمر الذي تعتبره استمراراً لدبلوماسيتها الهادفة لإنشاء تعاون وتحالف مع العديد من دول العالم ، فهي تهدف إلى تسويق منظومة أمنية جديدة تعتبرها رائدة في محاربة سلاح الأنفاق ، ولقد أشار ليبرمان إلى هذا المعنى قبل أيام في تصريح لمراسل يديعوت أحرنوت أن دولاً عديدة طلبت معلومات ولكن إسرائيل لا ترغب حالياً في بيع هذه التكنولوجيا لحين إكمالها على حد زعمه .
المُقاوَمَة عبر الأَنْفاق تجاوزت الكثير من الصعوبات، وأظهرت أنها قادرة على الإبداع والتكيّف مع ظروف أية معركة يفرضها العدو، أو نتيجة الظروف الميدانية الصعبة والظروف السياسية التي لها علاقة بالجوار، سواء من قِبَل العدو، أو من قِبَل الأشقاء، كالحصار الذي يفرض على غَزَّة، ما جعلها تبدع في إيجاد وسائل تعتبر في المفاهيم والقراءات التي درسناها شبه مستحيلة، المقاومة بالتأكيد تمكّنت من حفرِ عددٍ غير قليل من الأنفاق الهجومية ذات قدرات قتالية مختلفة.
بالمقابل نلحظ أن المقاومة لم تُظهِر حتى هذه اللحظة إي نوع من أنواع الخوف أو الإرباك أو التردّد في المضي قدماً في تطوير مشروع الأنفاق، ويظهر موقف المقاومة الفلسطينية في قطاع غزّة من الادّعاءات الإسرائيلية السابقة ذكاء معيناً ، حيث لم تستدرج للرد على هذه الادّعاءات بالنفي أو التأكيد ، ولم تسهم بذلك في تعزيز الدعاية الإسرائيلية، وبالمقابل أظهرت المقاومة ثباتاً ووضوحاً في موقفها من استمرار مشروع المقاومة بكل أدواتها واعتمادها على سلاح الأنفاق الاستراتيجي للدفاع عن غزّة .