عوني الحمصي

أكاديمي سوري، محلل في العلاقات الدولية

الضد يظهر قبحه الضدُ من عفرين إلى منبج

إن الأميركي يحاول الاستثمار بالجميع بعنوان الضد ضد الضد ما بين وحدات الحماية الكردية من جهة، والتركي من جهة أخرى لخلق حال من استمرارية التوتّر في الشمال السوري والضحية هي الشعب السوري وهذا يعني أن الهدف والغاية من المشروع الأميركي ما زال قائماً.

الكل ضد الكل من أجل استمرار واستثمار إمكانية تنفيذ المشروع الأميركي التقسيمي

عندما تتعقّد وتختلط الأمور والأوراق معاً في الشمال السوري وتحديداً في عفرين، لا بدّ لنا من فَهْم أصل الشيء هو معرفته بكل أبعاده ومكوّناته وفاعليه في مجمل التطوّرات الميدانية في عفرين، مع الأخذ بعين الاعتبار الثابِت والمتحوّل بكل مسارات الأحداث والتطوّرات منذ بداية السنوات السبع العِجاف ، التي مرت بها سوريا بوجهٍ عام والشمال السوري وعفرين بوجهٍ خاص، وخاصة بعد العدوان الهمَجي التركي على عفرين والانتهاكات التي يمارسها مرتزقة الجيش التركي  بحق أهلنا المدنيين في عفرين، وطبعاً هذا الأمر لا يخرج عن إطار الاستراتيجية الأميركية ومشروعها التدميري للمنطقة ، خاصة أن هذه الاستراتيجية تقوم على ركيزتين أساسيتين منذ بداية ما يُسمّى الربيع العربي حيث تشكلان ثوابت ممنهَجة في المشروع الأميركي القائم على الأطراف الاقليمية والإرهاب المُعولَم الإسلاموي الراديكالي.

الركيزة الأولى: تعميق الفجوة ما بين ما هو كائِن وما يجب أن يكون.

الركيزة الثانية: الكل ضد الكل من أجل استمرار واستثمار إمكانية تنفيذ المشروع الأميركي التقسيمي، سواء بعلمهم أو عدمه لحلفائها الاقليمين وأدواتها ومرتزقتها الانفصاليين ، وتلك المصيبة الكبرى وأقصد هنا التركي والكرد المنخرطين في المشروع الأميركي. اللذان يقومان بأداء الدور الوظيفي في المشروع الأميركي الصهيوني.

وطبعاً هاتان الركيزتان السابقتان سقطتا أمام مُسلّمة سرمدية بأن عفرين أرض سوريّة أولاً وأخيراً، وأهلها وسكانها سوريون وهي جزأ لا يتجزّأ من سوريا السيّدة الجميلة العاشِقة للحياة والجمال ، واحتلالها من قِبَل الجيش التركي وأدواته الإرهابية لتعطي دليلاً واضحاً بأن أردوغان هو قاتل دوقلة المنبجي وقصيدته اليتيمة التي تختصر عالم الجمال ، لذلك المكان الممتد من عفرين إلى منبج  وصولاً إلى شمال العراق ، وهذا ما صرّح به وزير الخارجية التركي جاويش أوغلو سيستمر في التوغّل والعدوان في تلك المنطقة، وكأن التاريخ يُعيد نفسه مرة  أخرى وما أشبه اليوم بالأمس، ليقتل أثرها دوقلة المنبجي بسبب جماليّة قصيدته للأميرة اليمانية على يد أحد عربان السعودية آنذاك عندما قال ضـدّانِ لمـا استجمـعـا حسُـنـاً والضـدُّ يظهـر حُسنـه الـضـدُ، فكل أسف الحقيقة هي ضـدّانِ لمـا استجمـعـا قبحاً والضـدُّ يظهـر قُبحه الـضـدُ، وهذا ما ينطبق على أطراف العدوان على سوريا السعودي والتركي من جهة والتركي وبعض الكرد الانفصاليين المُرتهنين للمشروع الأميركي من جهة أخرى. وما يقوم به التركي من قتلٍ وتشريدٍ وتهجيرٍ للسكان الأمنيين لأكثر من نصف مليون مدني ونازح من القرى التي اجتاحها الأتراك في عفرين ، باعتبارهم لديهم الخبرة التاريخية بذلك، وبالتالي ما يقوم به الأتراك لا يخرج عن إطار الدور الوظيفي لخدمة المشروع الأميركي، وهو بمثابة حصان طروادة كما هم الكرد الانفصاليون بعدما عجزت الولايات المتحدة الأميركية في استثمار داعش في ذلك، خاصة بعد  الرفض من قِبَل وحدات الحماية الكردية العرض السوري الروسي، لتفادي معركة عفرين، بدخول الجيش السوري إليها وإخلائهم المنطقة، وبالتالي سحب الذرائع التركية غير المشروعة معولاً على الدعم الأميركي الذي تمثل مؤخراً بإعلان البنتاغون عن عزمه تنظيم قوّة من 30 ألف قاتل بقيادة مسلم بذريعة حماية الحدود بين تركيا وسوريا والعراق وسوريا، في الوقت الذي صرّح فيه الأميركي للكرد منذ البداية أنهم غير معنيين بمعاركهم غرب الفرات أو بأية أرض يقفون عليها، لم يحرّروها معاً ما يعني إن الأميركي أعلن مسبقاً غسل أيديهم من كرد غرب الفرات للتركيز على شرقه، والتي تجعل من الآن فصاعداً المشروع الكردي برمّته حبيس المظلّة الأميركية، وتحت حمايتها في مدّها، وجزرها. ويبدو أن القيادة الروسية حسمت أمرها وقرّرت تخفيف دعمها للكرد وطموحاتهم في هذا الإطار بعد تبنّي الإدارة الأميركية له لأغراضٍ وظيفية، ومن لا يستطيع الاستفادة من تجارب التاريخ والواقع السياسي لن يتعلّم شئياً وسيقع في الحفرة مرة أخرى وهو يعلم بها للمرة العاشرة، التي يلدغ فيها الكرد من الجحر الأميركي- الإسرائيلي، ونأمل أن يستوعبوا دروس الخذلان جيداً، وأن يتخلّوا عن أوهام الدعم الأميركي لهم لإقامة دولتهم، أميركا تستخدمهم كورقة في مشروعها في المنطقة للضغط على الدول في إطار ما يُسمّى الفدرلة وصراعها مع الروس في المنطقة بعد فقدانها ورقة داعش حالياً، مع الأخذ بعين الاعتبار آجلاً وعاجلاً سرعان ما تتخلّى عنهم وتخذلهم كما تخلّت عن أدواتها سابقاً، ولا ننسى مشروع الاستفتاء في شمال العراق الذي ولِد ميتاً.

ومما تقدّم، إن الأميركي يحاول الاستثمار بالجميع بعنوان الضد ضد الضد ما بين وحدات الحماية الكردية من جهة، والتركي من جهة أخرى لخلق حال من استمرارية التوتّر في الشمال السوري والضحية هي الشعب السوري وهذا يعني أن الهدف والغاية من المشروع الأميركي ما زال قائماً، وأعتقد هناك تنسيق فعّال ما بين التركي والأميركي وأن بدا في ظاهر الأمر خلاف عميق بينهما، لكن من الناحية الاستراتيجية هناك تنسيق عميق بينهما والدليل ما زال التركي يستثمر في المجموعات الإرهابية من درع الفرات وغيرها ، والأميركي يستثمر بالكرد الذين ارتهنوا للمشروع الأميركي ، وكلاهما متفقان في العمق ضرب الأمن والاستقرار في المنطقة وتهديد وحدة وسلامة وسيادة الوطنية السورية ، باعتباره الهدف الأول لدول العدوان على الدولة السورية وعلى رأسها الأميركي والتركي منذ بداية الحرب الكونية على سوريا وفي سوريا، وهذا ما سوف يظهر جلياً بين الأميركي والتركي في منبج قريباً، وهذا يعني كشف حقيقة ما جرى في عفرين وما سوف يتم في منبج ما هو إلا سيناريو لا يخرج عن إطار توزيع الأدوار والوظائف بين التركي والأميركي لإطالة أمد  الحرب على سوريا ، ومنع وإغلاق أية طريق للحلول السياسية أمام السوريين ، مع الأخذ بعين الاعتبار إن سياسة الحكومة التركية منذ البدايات ترتيب المشهد السوري من خلال دعامتين أساسيتين:

الأولى: الإتيان بقوى الإسلام السياسي الراديكالي في المنطقة، وذلك انطلاقاً من اعتبارات أيديولوجية وسياسية شكلّت جوهر السياسة الخارجية التركية تجاه العالم العربي منذ انطلاق ما يُسمّى بالربيع العربي.

الثانية: ضرب بنية النسيج والتكوين الاجتماعي والسياسي السوري من خلال دعم جهة على حساب جهة ، والدليل ما معنى استخدام درع الفرات ونور الدين الزنكي والسلطان مراد وغيرها من المجموعات الإرهابية ضد أهلنا في عفرين  الرافضين للعدوان التركي ومتمسّكين بهويتهم الوطنية السورية.

خلاصة الأمر يمكننا القول: ولا نبالغ إننا أمام حقيقة وصدق ما قاله الشاعر "دوقلة المنبجي" في قصيدته اليتيمة في القرن الهجري الثالث وهو من مدينة منبج التي للأمّة أعظم الشعراء منهم البحتري و أبو فراس الحمداني الذي كان أميرها والشاعر الكبير عمر أبو ريشة وغيرهم كثير، مع جواز لنا استخدام جزء من قصيدته وبتصرّف فعلاً الضد يظهر قبحه الضد.