عبد السلام هرشي

كاتب وصحافي تونسي

قراءة في نتائج الانتخابات البلدية التونسية

رغم ما حملته نتائج الانتخابات البلدية من مفاجآت أهمها ارتفاع نسبة العزوف خاصة في صفوف الشباب، إلا أن وعياً انتخابياً بدأ يتكوّن في إدراك المواطن التونسي من خلال الاطّلاع على القوائم الانتخابية و عدم الانسياق وراء الوعود الزائفة.

كان من المفاجئ حصول التيار الديمقراطي على المرتبة الثالثة بعد حركة النهضة ونداء تونس

 أخيراً أعلنت الهيئة العُليا المستقلة للانتخابات النتائج الأولية  للانتخابات البلدية  التي  طال انتضارها بعد تأجيلها لمرتين. انتخابات تعتبر الأولى  بعد ثورة 14 جانفي، ولأن قلّل كثيرون من أهميتها  على المستوى السياسي  البرلماني إلا أن نتائجها قد أقضّت مضجع الحزبين الحاكمين في تونس. انتخابات القرب كما يسميها السياسيون في تونس لم تعتمد هذه المرة على وزن الحزب وقاعدته الشعبية في تحديد ملامح الفائز بل اعتمدت على مدى القرب والثقة التي تجمع الناخبين والمنتَخبين. لكن رغم النجاح الذي احتفت به هيئة الانتخابات في حُسن التنظيم و التسيير  ، إلا أن الطبقة السياسية في تونس قد مُنيَت بصفعة أخرى بعد نسبة العزوف الكارثية في الانتخابات الجزئية في ألمانيا، حيث لم تسجّل مكاتب الاقتراع توافد سوى 35.6 بالمائة من مجموع الذين يحقّ لهم الانتخاب. نسبة وصفها أحد قيادي نداء تونس  بالكارثية قائلاً "اليوم عاقب الشعب التونسي الطبقة السياسية بأكملها وليس فقط حزبي النهضة والنداء".

من جهة أخرى وفي خريطة النتائج صنع المستقلّون المفاجأة بعد ما تصدّروا قائمة الفائزين بنسبة 32.27 بالمائة من الأصوات، تليهم حركة النهضة بـ28.64 بالمائة ثم نداء تونس ب20.85 بالمائة. نداء تونس الذي فاز في الانتخابات التشريعية الأخيرة  بعد مراهنته على المشروع الوطني والدولة البورقيبة في مواجهة الرجعية العقائدية، تراجع إلى المرتبة الثالثة بعد التصدّعات التي عاشها منذ 2014 إضافة إلى ما يصفه البعض بـ"خيانة أصوات الناخبين" بعد تحالفه مع حركة النهضة. فوز المستقلّين بنسبة جيّدة في الانتخابات البلدية قد يفتح عيون الجميع حول نهج جديد في التعامل مع الانتخابات البرلمانية القادمة، بعد فشل الأحزاب في قيادة الدولة بالنظر إلى ما تُعانيه تونس منذ 7 سنوات رغم ما يؤكّده بعض الخبراء التونسيين والأجانب، بأن الإصلاح الاقتصادي في تونس يتوقّف على محاربة الفساد". أحد المتابعين للشأن السياسي في تونس قال معلّقاً على نتائج الانتخابات أن تونس مقبلة على تحوّل سياسي سنرى أول بوادره في الانتخابات البرلمانية القادمة. قيادات النهضة من جهة أخرى وإن تحصّلت حركتهم على المرتبة الأولى حزبياً إلا أنهم فوجئوا بالنتائج التي حقّقها المستقلّون، عبد الكريم الهاروني رئيس مجلس شورى حركة النهضة قال في تصريح متلفَز منتقداً ظاهرة المستقلّين "الأحزاب هم الضمانة الوحيدة للديمقراطية، لا يستطيع المستقلّون أن يمارسوا السياسة ويضمنوا الديمقراطية بنفس الكيفية التي تمارسها بها الأحزاب"، فيما ذهب محسن حسن القيادي في حزب نداء تونس أبعد من ذلك قائلاً "لا يمكن اعتبار القوائم المستقلة كتلة واحدة لذلك لا يمكن اعتبارهم في المرتبة الأولى".

لكن العميد فاضل بن موسى الذي فازت قائمته في بلدية أريانة له رأي آخر ، حيث أكّد أن أكبر دليل على فُقدان الشعب الثقة في الأحزاب هو نتائج الانتخابات البلدية وأن المنظومة الحالية قد فشلت فشلاً ذريعاً. فاضل موسى صاحب قائمة "أريانة الأفضل" الذي هزمت نداء تونس هزيمة ساحقة بعدما تحصّلت على 38.17 بالمائة من الأصوات فيما حصل نداء تونس على 16.49بالمائة وحركة النهضة على 13.98 بالمائة. عندما يمنى الحزبان الحاكمان في تونس اليوم بهزيمة ساحقة في بلدية من أكبر البلديات في تونس  فلا بدّ لنا من أن نتوقّف عند هذا الانقلاب المفاجئ في نوايا التصويت.

مفاجأة أخرى تضمّنتها النتائج الأولية وهي حصول التيار الديمقراطي على المرتبة الثالثة بعد حركة النهضة  ونداء تونس بنسبة 4.19 بالمائة من مجموع الأصوات، التيار الديمقراطي  الحزب الناشئ الذي تأسس في 03 ماي 2013 عن طريق عضو حزب المؤتمر من أجل الجمهورية السابق محمّد عبو، قبل أن ينضم إليه حزب التحالف الديمقراطي يشقّ طريقه اليوم بثبات نحو  الانتخابات التشريعية ، بعد أن فاز في كل البلديات التي تقدّم فيها إضافة إلى فوزه بواحدة من أكبر البلديات في تونس وهي صفاقس 01. تقدّم التيار الديمقراطي اليوم  في نتائج الانتخابات البلدية يُعتبَر واحدة من أهم الدلائل على إعادة تشكّل المشهد السياسي اليوم في تونس فيما وصف أحد المتابعين التيار الديمقراطي بأنه أكثر الأحزاب ممارسة للديمقراطية.

رغم ما حملته نتائج الانتخابات البلدية من مفاجآت أهمها ارتفاع نسبة العزوف خاصة في صفوف الشباب، إلا أن وعياً انتخابياً بدأ يتكوّن في إدراك المواطن التونسي من خلال الاطّلاع على القوائم الانتخابية وعدم الانسياق وراء الوعود الزائِفة، وعيٌ بدأ يتشكّل بالسعي نحو البناء والإصلاح على مستوى وطني من خلال البناء والإصلاح على مستوى محلي.


 
}