عبّاس الزين

صحافي وكاتب سياسي.

هل النضال العربي في حركةٍ تصاعدية؟

العالم العربي وفي صراعه مع قوى الاستعمار عاش ويعيش مراحل تستمد قوّتها وديمومتها من بعضها البعض، وهذا لا يمنع أن تمر فيها نكبة ونكسة. لكن نكبة العام 1948 أو نكسة العام 1967 التي لحقتها لم تكونا نتيجة حتمية للنضال، أو لمجتمعٍ مهزوم مستمر بهزائمه غير قادر على الخروج منها. على العكس تماماً، هي مراحل تفرضها الحركة التصاعدية الهرمية للنضال، بغض النظر عن نتائجها، وتأثيرها الذي لا بدّ منه، بالمقارنة مع العوامل التي رافقتها.

ما دامت عناصر المقاومة والمواجهة موجودة، ومستمرة في نضالها، كأفراد ومجتمعات، وحركات تحرّر، وأنظمة سياسية

 تبلوَر الوعي القومي العربي، في خمسينات القرن الماضي، لمواجهة الهيمنة الغربية وقوى الاستعمار وربيبتها "إسرائيل". ومنذ ذلك الوقت، أخذت المعركة منحىً مُغايراً لما كانت عليه. المنحى ذاته، تحوّل في ما بعد إلى نهجٍ جديدٍ في النضال، استمدّ قوّته من معالجة الثغرات السابقة.

بعد انهيار الدولة العثمانية، ودخول الجيوش الغربية إلى المنطقة بشكلٍ مباشر، في عشرينات القرن الماضي، تشكّلت حركات مقاومة عديدة ومتنوّعة، وموزّعة في الجغرافيا العربية، لكنها لم ترتبط باستراتيجيا موحّدة أو عمل مقاوِم مُمنهَج في ما بينها، لذلك استطاع الاستعمار الانقضاض عليها الواحدة تلو الأخرى، وهذا لا ينفي طبعاً الجهد النوعي الذي قدّمته في مُقارعة الاستعمار، لكن عدم تواصلها الثقافي والاقتصادي والعسكري، كان عاملاً اساسياً في تراجعها.

احتلال العصابات الصهيونية لفلسطين في العام 1948، كان بالجزء الأكبر منه كنتيجةٍ لتفكّك الحركات المقاوِمة وانفصالها عن بعضها البعض جغرافياً وفكرياً واستراتيجياً، طبعاً إلى جانب تواضعها المادي والعسكري، وهو ما نتج منه أيضاً تواضعاً على صعيد الإمداد البشري، كل هذا أضف إليه وجود أنظمة متواطئة لا يختلف حكمها في تلك الفترة من حيث العلاقة مع الاستعمار عن احتلال الحركات الصهيونية في فلسطين (قائد الجيش الأردني في حرب العام 1948 كان بريطانياً!).

الصراع بدأ يأخذ بُعداً قومياً موحّداً مع الرئيس المصري، جمال عبد الناصر، وتحديداً بعد الصمود الذي تحقّق في عدوان العام 1956. عبد الناصر ومعه بعض القادة العرب، في مراحل تالية، سعوا إلى بناء أسُس ودعائم للصراع العربي مع قوى الاستعمار، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية، باعتبار أن الصراع ليس صراعاً عربياً-إسرائيلياً في شكله العام، بل صراعاً مع الهيمنة الغربية، حيث أن إسرائيل تفصيل في المعركة بغض النظر عن كونها تفصيلاً أساسياً.

الأسس التي انطلق منها قادة المواجهة، تعطي التجهيز العسكري اهتماماً ثانوياً، لتبدأ بالاكتفاء الذاتي من جهة الإنتاجين الزراعي والصناعي، لما يشكلاه من أرضية متينة لاحتواء الطفرة السكانية والنمو البشري الذي شهده العالم العربي في تلك الفترة، كي يكون هذا النمو عنصراً إيجابياً لا سلبياً ضاغطاً، بالإضافة إلى أن هذا الاكتفاء يعفينا من المساومة مع القوى الغربية أو حتى التفاوض على الحقوق العربية، انطلاقاً من حاجتنا إليها. (محاولة الولايات المتحدة فرض ما أسمته السلام بين إسرائيل ومصر كشرطٍ لدعمها مصر مادياً في بناء السدّ العالي باءت بالفشل وكانت السبب الأساس في تأميم قناة السويس لتغطية نفقات بناء السد).

جاءت نكسة العام 1967، لتقيّد وتوقف الحركة التصاعدية لعناصر المواجهة مع القوى الاستعمارية، لكنها لم تنهيها بل فرضت توجّهاً جديداً على الصراع. استمدّ التوجّه الجديد استراتيجيته للمواجهة من الأخطاء السابقة، أو لنكن منصفين بعض الشيء، فقد عالج الثغرات التي سبقت مرحلته، باتجاهين: التواصل الجغرافي والفكري والمادي والبشري بين حركات التحرّر أولاً، واستغلال الوعي الذي أنتجته الحركة القومية العربية، ثانياً. لا سيما وأن مفاهيم الصراع مع قوى الاستعمار كانت قد وصلت إلى مرحلة فكرية وعسكرية متقدّمة جداً (الشهيد مصطفى شمران، وهو أول مسؤول تنظيمي لأفواج المقاومة اللبنانية -أمل-، وأول وزير دفاع في حكومة الثورة في إيران، كان قد انتقل من الولايات المتحدة إلى مصر في عام 1963 بتنسيقٍ مع الرئيس جمال عبد الناصر، وأسّس أول قاعدة للتدريب العسكري، ضد حكومة الشاه في طهران).

ورثت حركات المقاومة في العالم العربي بشكلٍ عام، ولبنانٍ خاصة، مفاهيم الصراع مع قوى الهيمنة، من الحركة القومية. لبنان شكّل في البداية، عنصراً جاذباً لتلك الحركات، واستطاع في مرحلة لاحقة تصدّر المشهد، لعوامل عديدة، منها ما هو عقائدي ومنها ما هو سياسي، والأهم العامل الجغرافي الذي جعله على تماس مع كيان الاحتلال الإسرائيلي.

المقاومة في لبنان استطاعت استغلال الوعي العربي وتصويبه وتجهيزه وتنظيمه للمواجهة. في الوقت ذاته ومنذ بدايتها، عملت على التواصل العسكري والفكري، مع حركات المقاومة في العالم العربي، لنصل إلى الوضع الحالي، بحيث باتت الجبهة اليمنية، متصلة استراتيجياً وفكرياً بالجبهة في الجنوب اللبناني، والجولان السوري المحتل، أو بالجبهة في البوكمال  والموصل في العراق. وهنا، لا بدّ من دراسة الحالة اللبنانية المقاوِمة من اجتياح لبنان في العام 1982 مروراً بعدواني العام 1993 و 1996 وصولاً الى تحرير الجنوب، فانتصار تموز، إلى المواجهة الحالية التي فرضت موازين قوى مختلفة. ما يحصل الآن، على الجبهات العربية المختلفة، هو الواقع الذي فرضته التجربة ومعالجة ثغرات العقود الماضية، وهذا لا ينفي وجود ثغرات حالية تعالج تباعاً بشكلٍ تدريجي مع كل تجربةٍ جديدة تفرضها المعركة.

العالم العربي وفي صراعه مع قوى الاستعمار عاش ويعيش مراحل تستمد قوّتها وديمومتها من بعضها البعض، وهذا لا يمنع أن تمر فيها نكبة ونكسة. لكن نكبة العام 1948 أو نكسة العام 1967 التي لحقتها لم تكونا نتيجة حتمية للنضال، أو لمجتمعٍ مهزوم مستمر بهزائمه غير قادر على الخروج منها. على العكس تماماً، هي مراحل تفرضها الحركة التصاعدية الهرمية للنضال، بغض النظر عن نتائجها، وتأثيرها الذي لا بدّ منه، بالمقارنة مع العوامل التي رافقتها.

ما دامت عناصر المقاومة والمواجهة موجودة، ومستمرة في نضالها، كأفراد ومجتمعات، وحركات تحرّر، وأنظمة سياسية، فإن السيرورة التاريخية لهذا النضال ستصل إلى الذروة، التي تفرض على الاستعمار الاندحار والهزيمة، بشرط استغلال جميع العوامل التي تؤمّن لتلك السيرورة الاستمرار، عبر بناء منهجية مقاوِمة، تعتمد على الاكتفاء الذاتي، بتحويل الحاجة إلى قوة دافعة للبناء وتوجيه الطاقات البشرية والطبيعية بما يخدم الموقف من الصراع، لا إبقائها حالة ضاغطة، تستغلها القوى الاستعمارية لفرض شروطها. وعلى الترابط الفكري والعسكري والسياسي والمادي، بين حركات التحرّر والمقاومة، لما يشكّله ذلك من فهمٍ عميق لطبيعة الصراع مع قوى الهيمنة، الذي تستمد من التفرقة والفِتن، وتفتيت الجبهات المشتعلة ضدها، استمرارية هيمنتها وسطوتها ونهبها المنظّم.

كلام الأمين العام لحزب الله، السيّد حسن نصرالله، في خطابه الأخير، حول رغبته وأمانيه بأن يكون مجاهداً إلى جانب المجاهدين اليمنيين في صراعهم، وربطه تلك الرغبة بالحق العربي الجامع، في الدفاع عن الوجود الحُر، واستقلالية القرار، واستغلال الثروات الطبيعية والطاقات البشرية العربية، بعيداً عن الهيمنة الغربية، هذا الخطاب الوحدوي  للسيّد نصرالله، والذي يركّز على أهمية عدم التفاوض مع الاستعمار وأعوانه، على ما هو حق عربي مكتسب، يعتبر التجلّي الأمثل، والمعيار الأوضح، لما وصل إليه النضال العربي، في حركته التصاعدية المستمرة، التي تضمّنت نكبة ونكسة، وإخفاقاتٍ عديدة، لكنها واصلت مسيرتها، حتى أصبحت معظم حركات التحرّر في العالم العربي، ذات خطابٍ واحدٍ، وتوجهٍ واحد، لقضية مشتركةٍ. فبات اليمنيُّ يعتبر أمنه من أمنِ فلسطين، واللبناني يُمنّي النفس، بالقتال في اليمن.


 
}