عايدة سميح الصعيدي

كاتبة لبنانية

الجهاد الوطني لأجل التحرّر

الإرهاب لا يمكن أن يكون مرادفاً لمعنى الجهاد. الإرهاب هو ارتكاب الجرائم وإلحاق الأذى بالأبرياء، كما هو السلوك العدواني على جميع القوانين المحلية والدولية. مَن يستعمل مفردة الإرهاب للدلالة على معنى الجهاد فهو حتما واقع في ضلالة التعبير إما قصداً أو جهلاً.

الإرهاب لا يمكن أن يكون مرادفاً لمعنى الجهاد

التنظيم الإرهابي المُسمّى "داعش" يجب الدلالة إليه باسمه الآتي: التنظيم الإرهابي "داعش" أو عصابات المرتزقة الإرهابية. وحين يُشار إلى هذه العصابات بـ" تنظيم الدولة الإسلامية" فالمُتبنّي لهذا الإسم من دون الإشارة إليه بصفته الإرهابية فهذا يعني المشاركة في التضليل والتجهيل تسهيلاً للدعاية السياسية.

حين تستعمل مفردة جهاد ودولة إسلامية في غير دلالتهما معنىً ومضموناً وإسنادهما إلى معنيي الإرهاب وارتكاب الجرائم بحق الإنسانية ومن ضمنها الإبادة الجماعية فهذا من أسوأ الأساليب التي تُستعمَل في مجال غسل الدماغ الجماعي والتشويش على القِيَم الأصيلة الواردة في اللغة والسلوك البشري.
هي الحروب النفسية المُستندة إلى استخدام المُصطلحات غير الدالّة على حقيقتها وإظهار النقيض الناصِع رديفاً لنقيضه القذر. لذا فإن كتابة التاريخ المُعاصِر بمفرداته المتداولة بغرض تزوير الحقائق وتشويه أرقى التضحيات الإنسانية المُلزمة دينياً كجهاد القول والعمل، وتصنيفه إرهاباً إنما هو الأسلوب الهدّام للشخصية الأخلاقية وطنياً... وما ينتج من استخدام المفردات المُحرِّفة للحقائق هو شخصية ذاتية المنفعة ملتفّة على أنانية تقتات من تبريرات ومسوّغات عرجاء وفاقدة لأدنى درجة من المنطق والحق.

التربية على حب الوطن شرط من شروط بناء الدولة المتلاحمة مع المواطن المسؤول حقوقاً وواجبات. ماذا يمكن أن يعني بناء مؤسّسات حكومية وإدارتها من غير الالتزام بدستورٍ واضح المفاهيم غير القابلة للاجتهادات؛ مفاهيم مُتطابقة مع القوانين الطبيعية مثل شروط البقاء والاستمرارية وهذا يتضمّن جوهرياً حق الدفاع عن الوجود ومقاومة جميع أشكال الاعتداءات والتهديدات التي تستهدف حق الوجود المشروع. في القانون البيولوجي لأي كائن حيّ ولكافة المخلوقات يوجد جهاز المقاومة لأيّ تهديد خارجي؛ فالكائنات الحيّة الأشد ضآلة إلى أضخمها هي مزوّدة بجهاز مقاومة منذ لحظة خلقها.
إذن؛ السلوك المقاوِم تحمله الكائنات الحيّة كشرط من شروط وجودها واستمرارها، فحين شاع مفهوم "قانون الغابة" فهو حمل في مفهومه الجذري حق الدفاع عن النفس. من يختصر مفهوم "قانون الغابة" إلى قانون سلطة الأقوى أو الأضخم أو الأشرس فهو حتماً يقع في تسطيح المعنى، لأن أشدّ الكائنات الحيّة ضآلة قادرة على تدمير قوّة الأضخم – حكاية ابن المقفّع في "كليلة ودمنة" عن البعوضة التي فقأت عين الفيل أقرب الأمثلة في هذا المجال- ويمكن البناء على هذا القانون في التصدّي لأيّ نوعٍ من أنواع العدوان.
يكتسب السلوك المقاوِم هويته الجماعية في بيئته ذات القاسم المشترك من الأهداف والدوافع؛ فيكون حقاً وواجباً في آنٍ واحد، إذ يؤدّي هذا التماسُك الجماعي بوحدة الإحساس والالتزام إلى تصنيف العدو وتعريفه وتحديد أساليب مواجهته. إذن الأساس الأول في هذا السلوك المقاوِم هو المعرفة بهذا الحق واعتباره واجباً.

 


القيادة الشعبية أخلاقياً وقانونياً وعقيدةً

لقد اعتادت المجتمعات البشرية في أولى تكوينها أن تكون خاضِعة لسيطرة الفرد، وهكذا شعوب لم تكن لها أية معرفة بحقها في المشاركة في الحُكم؛ فقد بقيت على جهلها بعامل القمع لكنها حملت معاناتها في تكرارها مع السلطات الحاكمة، ومتى وجدت منفذاً للخروج من هذه المعاناة، بأي ظرف من الظروف، تجمّعت تحت ظاهرة التحرّكات الشعبية المعروفة بالثورات أو حتى الحروب الطبقية. الثورة الأولى التي أضاءت طريق البشرية هي الثورة الدينية التي انبثقت منها حقوق الإنسان؛ الديانات السماوية التي حملت معها القِيَم الإنسانية وأعلاها شأناً الجهاد لأجل الحرّية.
إذن وجود قائد لأية تحركات شعبية هو في الواقع صوت وعقل الشعب، لذلك فإن أي تزييف لهذا الصوت والعقل يحوّل القائد إلى مُتسلّط وديكتاتور. القائد الشعبي هو حال ذوبان الفردية في القالب الجماعي ولكن من دون أن يكون عاملاً للتناسخ والنمذَجة.
تكتسب القيادة الشعبية من خلال قائدها شرعية الاستمرار والتطوّر والتغيير ما دامت على وعيها بقِيَمها الإنسانية وتماسكها في الحفاظ عليها. لا يمكن أن يكون النظام القانوني بعيداً عن هذه القيادة الشعبية، بل على العكس تماماً، القانون هو أهم وأعلى الدعائم لقوّة وفعالية القيادة الشعبية لأنه يتدخّل بين الأفراد من جهة وبين الجماعة والأفراد من جهة أخرى ليكوّن الروابط الشبيهة بتلك الموجودة في الخليّة الواحدة.
تصل القيادة الشعبية إلى أسمى وأرقى مستوياتها حين تصل إلى مرحلة المقاومة الشعبية في كافة معانيها؛ المقاومة ضد العدوان والاستعمار العسكري والثقافي.
حين يتعرّض الوطن إلى عدوانٍ أو استعمارٍ عسكري فلا يجب أن يختلف الرأي الشعبي عن هوية العدو. هذا يستوجب بادىء ذي بدء التثقيف الشعبي لكيفية تلقّي المعرفة بإمكانات هذا العدو وأشكاله المعنوية والمادية لكي تتأسّس سُبل مقاومته شعبياً.
عادة يُصدّر العدو شعارات ومبادىء يعتمدها كحصانِ طروادة ولتصبح ثقافة مستوردة مُستهلَكة وهي تندرج ضمن سيكولوجية " اغتصاب الجماهير" - كما جاء في خطاب غوبلز- فتصبح غايات العدو هي نفسها غايات الضحية والمُعتدى عليه. الإفلات من فخ الاستعمار الثقافي هذا يستلزم إنتاج ثقافة مُحدِّدَة للقِيَم الوطنية غير القابلة للسقوط في مستنقع " وجهة النظر".
لذا ، فإن قوّة القيادة الشعبية التي تحمل المقاومة الشعبية في رحمها لأجيالٍ وأجيالٍ هي الأساس الأول في وجود الدولة الحرة.
من الحتمية أن تواجه المقاومة الشعبية معوقات مرجعها فساد الثقافة. المهمة الأهم الآن هي محاصرة هذه المعوقات في مفرداتها ومُصطلحاتها.
من أبرز معوقات المقاومة الشعبية التشرنُق داخل " الأنا". هذه الأنا التي تستبيح البراغماتية
والازدواجية تحت مسوّغات هزيلة المنطق.

المقاومة الشعبية لا تنفي تنوّع الفكر والابتكار الفردي تعزيزاً وتطويراً للأهداف الوطنية الجامعة،
بل لعلّها تكتسب جذورها العميقة متى تماثلت مع الطبيعة الإنسانية القائمة على تكامل الأعضاء وظيفةً من أجل حياة ذات معنى. من هنا تأخذ مفردة " نحن" ضميرها الجماعي بعد نضوجها في كل " أنا" متحرّرة ً من النمذَجة والتناسخ.
هي مسافة مقدّسة بين " أنا" التي تجتهد في مقاومتها ضد كل أنواع الاستهلاك الثقافي المُهشِّم للشخصية الوطنية الأخلاقية ولتتميّز في هذا الاجتهاد فترتقي معها المقاومة الشعبية انصهاراً.


 
}