عبير بسام

صحافية لبنانية

قانون القومية الإسرائيلي الجديد يُكرّس ما قبله

المُصادقة على قانون "الدولة القومية للشعب اليهودي وأن "حق تقرير المصير فيها حصري للشعب اليهودي فقط"، تمّت من الكنيست في أيلول/ سبتمبر من العام الماضي. وتأتي المصادقة اليوم مُتزامِنةً مع العمليات الإسرائيلية المُكثّفة على غزّة خوفاً من تحرّكات مُماثلة لتلك التي شهدها إعلان ترامب حول القدس.

قوانين الفصل العنصري التي ابتدعتها إسرائيل لم تتنافى مع ممارسات دول الاستيطان الأوروبي
قوانين الفصل العنصري التي ابتدعتها إسرائيل لم تتنافى مع ممارسات دول الاستيطان الأوروبي

توالت التصريحات العربية والأجنية المُندّدة بقانون القومية الإسرائيلي الجديد الذي صدر في 19 تموز/ يونيو الماضي. والغريب في الأمر، أن الجميع يُندّد وكأنهم لم يكونوا يتوقّعونه، أو كأن القرار قد خرج فجأة من القُمقم؛ مع أن من يعرف اإسرائيل يعرف كيف تقوم بإعلان قوانينها وكيف تضعها حيِّز التنفيذ. وأنها ماتفتأ في كل مرحلة تشعر بها بأنها في دائرة الخطر بسبب انتفاضات الشعب الفلسطيني، تبدأ بإطلاق المزيد من الإجراءات والقوانين المؤجّلة، والتي تُعقِّد بها حياة الفلسطينيين في أرضهم أكثر فأكثر. واعتادت إسرائيل أن تمرِّر قوانينها وعدوانها على مسمع ومرأى المُندّدين، والذين يتابعون القرارات الإسرائيلية منذ اللحظة التي تعلن فيها النوايا، إلى اللحظة التي تميط اللثام عنها.

قوانين الفصل العنصري التي ابتدعتها الدولة العبرية منذ إعلان تأسيسها حتى اليوم، لم تكن مُتنافية مع الممارسات العنصرية التي فرضتها دول الاستيطان الأوروبي كما: فرنسا في الجزائر أو بريطانيا في أميركا الشمالية واستراليا، وغيرها. وإسرائيل تتماهى معها، والأوروبيون والأميركيون يفهمون حاجتها لفرض وجودها في بلدٍ ليس لها. فقانون التقسيم بين المناطق الفلسطينية والتي أقيمت بحسب اتفاق أوسلو ستمنع بعد إقرار قانون "القومية اليهودية" والذي ستكون يده فوق يد الديمقراطية، يَعِدُ بإجراءات إقصائية أكثر بحق كل من هو ليس يهودياً في فلسطين، أي العرب، وسيُقسّم المناطق الفلسطينية ويعزلها عن بعضها البعض وسيمنع الفلسطينيين من التواصل مع أقرانهم في المناطق المختلفة، وخاصة في الضفة الغربية، والتي سيعلن قريباً ضمّها نهائياً إلى ما يُسمّى بدولة إسرائيل. ما سيجعل حياة الفلسطينيين أكثر صعوبة من أجل دفعهم، كما تظن إسرائيل، نحو مغادرة فلسطين، وعندها سنندّد من جديد.

القانون الإسرائيلي الجديد ليس حديث الولادة. إذا كانت الحكومة الإسرائيلية قد قدّمت مشروع القرار للكنيست منذ العام 2011 والذي طرحه آنذاك، عضو الكنيست آفي ريختر، وهو الرئيس السابق للشاباك، جهاز الأمن الداخلي في الكيان الصهيوني. واليوم مع مجيء ترامب وصهره جاري كوشنر تضاعف الدعم الأميركي لإسرائيل، ولذا بات من السهل تمرير هكذا قانون. ولكن لم تُتّخَذ منذ العام 2011 وحتى اليوم خطوات عملية من أجل وقف إقرار قانون القومية في العالمين العربي والغربي. الأمر ذاته والخطوات ذاتها أعيدت وتكرّرت في توقيع نقل السفارة الأميركية ومشروع ضمّ القدس ومشروع ضمّ الجولان، فالتحرّكات الإسرائيلية تأتي أولاً كجَسِ نبض، وعندما لا تتأتّى عن إعلاناتها العنصرية ردّات فعل أو أية إجراءات لردعها تقوم حينئذ بتنفيذ قراراها في الوقت المناسب لها من دون أن تخشى أية ردّة فعل تُذكر. فأوروبا حتى اليوم لم تقم سوى بمقاطعة خجولة للبضائع الإسرائيلية في المستوطنات والتي أقيمت فوق أراضي الفلسطينيين كمواجهة للنظام العنصري الذي تمارسه إسرائيل إن كان من خلال بناء جدار الفصل العنصري أو من خلال طرد الفلسطيننين العُزّل من بيوتهم وأراضيهم أو حتى قتلهم.

"أكلت يوم أكل الثور الأبيض"، من منا لا يعرف أمثولة وقصة إبن المقفّع، التي تحمل في طيّاتها كل ما تتعرّض له القدس وفلسطين والعالم العربي من خذلان واضطهاد في ما يتعلق بالقضية الأمّ: فلسطين. فمنذ أن احترق المسجد الأقصى في 21 آب/ أوغسطس من العام 1969، والذي لم يتحرّك العرب نُصرة له، قالت غولدامائير يومها: "لم أنم طوال الليل، كنت خائفة من أن يدخل العرب إسرائيل أفواجاً من كل مكان، ولكن عندما أشرقت شمس اليوم التالي علمت أن باستطاعتنا أن نفعل أي شي نريده"، وهذا ما كان. وإذا ما كانت أمّ الصبي، وهم العرب، لا يتحرّكون فمن البديهي أن يقبل العالم الذي صوّت لإقامة دولة اسرائيل بكل ما تأتي به من قوانين لتهديم مساجدها وكنائسها وما يشهد على التاريخ العربي في فلسطين من أجل تكريس يهوديتها. واليوم لم يحمل القانون الجديد جديداً، فقد جاء ليُكرّس كما قبله نظام الفصل العنصري، الذي بُنيَ عليه منطق الفكر الصهيوني  وهو أن: "دولة إسرائيل هي البيت القومي للشعب اليهودي" وأن "حق تقرير المصير في دولة إسرائيل يقتصر على الشعب اليهودي". إعلان إسرائيل أقرّ في وقتٍ تتهافت فيه دول عربية ومن دون شروط مُسبَقة لتدخل جماعات وفرادى في اتفاقيات السلام والتطبيع مع الدولة العنصرية الأولى في العالم.

واليوم لا تخرج عمليات القصف المستمر على غزّة والتي يذهب ضحيّتها العشرات في كل يوم وما نفعله لا يخرج عن إطار عدّ أرقام الضحايا من شهداء وجرحى. ونحن نُحيي ونهلّل للعمليات البطولية الفلسطينية، التي بقي أصحابها مُنفردين في ساحات الوغى يقاتلون بصدورٍ عارية. عندما لم تنم غولدا مائير طوال الليل لابد من أنها كانت تتذكّر ثورة البُراق في العام 1919 والتي هبّت فيها الجموع العربية وجاءت القدس من كل صوبٍ لتدافع عن حائط البُراق الذي انتهك حرمته المُصلّون اليهود، والذي أدّى إلى قتالٍ دام لأيامٍ، قُتِلت خلالها أعداد كبيرة من الصهاينة. دخل العرب يومها للدفاع عن المسجد الأقصى على الرغم من جميع الإجراءات القمعية والقاسية التي وضعتها سلطات الانتداب البريطاني آنذاك. واليوم تنتهك باحات وساحات الأقصى في كل يوم والعرب نيام.

المُصادقة على قانون "الدولة القومية للشعب اليهودي وأن "حق تقرير المصير فيها حصري للشعب اليهودي فقط"، تمّت من الكنيست في أيلول/ سبتمبر من العام الماضي. وتأتي المصادقة اليوم مُتزامِنةً مع العمليات الإسرائيلية المُكثّفة على غزّة خوفاً من تحرّكات مُماثلة لتلك التي شهدها إعلان ترامب حول القدس. إذ يظن الإسرائيليون أنه بالتهديد تارة وبالوعود تارة، كالعودة إلى واقع مدني واقتصادي معقول مقابل وقف كامل لعملية إطلاق الطائرات الورقية الحارِقة، والتي أطلقها ليبرمان في 20 تموز/يوليو، زاعماً فيها أن مُطلقي الطائرات الورقية والبالونات الحارِقة ليسوا أطفالاً أومجموعات مدنية وإنما هم  قادة حماس، في محاولة لتأليب الفلسطينيين على بعضهم البعض، ظاناً أنه بذلك يستطيع هو أو غيره تغيير موقف الفلسطينيين في غزّة والقطاع، والذين لم يبق أمامهم سوى القتال أو النفي أو الموت داخل أسوار الحصار.